هؤلاء تنخرق لهم العادات فيأتيهم رزقهم عفوا من غير أن يشتغلوا بالأسباب المعروفة، أو يكدحوا كدح العامة، بل يتولى الله ذلك عنهم فيرزقهم من حيث لا يحتسبون.
وقد قلنا إن الأمور كلها بيد الله يصرفها كيف يشاء، والحلق كلهم عبيده يسخرهم فيما يشاء، والسماوات والأرض تحت حكمه يفعل فيهما ما يريد.
ولله في خلقه قوانين لا يعرفها كثير من الناس، فمن ظن أنه لا يرزق إلا بالأسباب كما هو حال العامة لم يرزق إلا بالأسباب، وهؤلاء هم الذين أمروا بأن ينتشروا في الأرض ويبتغوا من فضل الله، وأن يمشوا في مناكبها وياكلوا من رزقه.
ومن سقطت الأسباب من نظره وغلب عليه الركون إلى الله والثقة بالله، كان من الفريق الثاني الذي يرزقه الله من حيث لا يحتسب لأنه بلغ من اليقين ما تنفعل به الأشياء,
ولنقل بتوسع - وما أجدر هذا المقام بالتوسع - إن لله قوانين كثيرة والناس يجهلونها تمام الجهل:
أما السملمون فقد جهلوا اليوم قوانين الله الدينية والدنيوية والروحانية والجثمانية.
وأما الأوربيون فقد جهلوا قوانينه الروحية والدينية وإن كانوا أعلم الخلق بقوانينه الدنيوية، لأن القوانين الروحية لا تؤخذ إلا عن الأنبياء والمرسلين في مثل قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} وقوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}
ولعل قائلاً يقول: نرى كثيراً من الناس يدعون فلا يستجاب لهم، ونرى من المشاهدات أن الذي لا يأخذ في الأسباب
ولا يتعاطاها لا يصل إلى المسببات، فهل فيما يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - خلف؟ وهل فيم يقول الله تعالى ريب؟! كلا، أمر الله لا ينخرم ووعد نبيه - صلى الله عليه وسلم - لا يتخلف، ولكن هذا الأسباب الروحانية غير المعروفة مشروطة بشرط لم نحققها تمام التحقيق ولو حققناها بشروطها لترتبت عليها غاياتها.