الْمِثَالُ الرَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ: لَا بَأْسَ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَتَحَيَّلَ عَلَى مَسَبَّةِ النَّاسِ لِظَالِمِهِ، وَالدُّعَاءِ عَلَيْهِ وَالْأَخْذِ مِنْ عِرْضِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ؛ إذْ لَعَلَّ ذَلِكَ يَرْدَعُهُ، وَيَمْنَعُهُ مِنْ الْإِقَامَةِ عَلَى ظُلْمِهِ، وَهَذَا كَمَا لَوْ أَخَذَ مَالَهُ فَلَبِسَ أَرَثَّ الثِّيَابِ بَعْدَ أَحْسَنِهَا، وَأَظْهَرَ الْبُكَاءَ وَالنَّحِيبَ وَالتَّأَوُّهَ، أَوْ آذَاهُ فِي جِوَارِهِ فَخَرَجَ مِنْ دَارِهِ، وَطَرَحَ مَتَاعَهُ عَلَى الطَّرِيقِ، أَوْ أَخَذَ دَابَّتَهُ فَطَرَحَ حِمْلَهُ عَلَى الطَّرِيقِ وَجَلَسَ يَبْكِي، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَكُلُّ هَذَا مِمَّا يَدْعُو النَّاسَ إلَى لَعْنِ الظَّالِمِ لَهُ وَسَبِّهِ وَالدُّعَاءِ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَرْشَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَظْلُومَ بِأَذَى جَارِهِ لَهُ إلَى نَحْوِ ذَلِكَ، فَفِي السُّنَنِ وَمُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَجُلًا شَكَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جَارِهِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَاصْبِرْ، فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَك فِي الطَّرِيقِ، فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ، فَجَاءَ إلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ لَا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ» هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد.
[الْمِثَالُ الْخَامِسُ وَالثَّمَانُونَ مِنْ لَطَائِفِ حِيَلِ أَبِي حَنِيفَةَ]
[مِنْ لَطَائِفِ حِيَلِ أَبِي حَنِيفَةَ]