قال قتادة: فلولا أنه بيّن التجارة لطلبت قال: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} وكان أبو الحسن علي بن سليمان يذهب إلى هذا ويقول «تؤمنون» على عطف البيان الذي يشبه البدل، وحكى لنا عن محمد بن يزيد أن معنى «تؤمنون» آمنوا على جهة الإلزام. قال أبو العباس: والدليل على ذلك {يَغْفِرْ لَكُمْ} جزم لأنه جواب الأمر وعطف عليه {وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} .
فأما قول الأخفش سعيد: إنّ {وَأُخْرى} في موضع خفض على أنه معطوف على تجارة فهو يجوز، وأصحّ منه قول الفراء: إنّ «أخرى» في موضع رفع بمعنى ولكم أخرى يدلّ على ذلك {نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} بالرفع ولم يخفضا وعلى قول الأخفش الرفع بإضمار مبتدأ {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} أي بالنصر والفتح. والنصر في اللغة المعونة.
[سورة الصف (61) : آية 14]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) }
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} قراءة أهل المدينة وأبي عمرو، وقرأ الكوفيون {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} بالإضافة وهو اختيار أبي عبيد وحجته في ذلك {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} ولم يقولوا: أنصار الله. وهذه الحجة لا تلزم لأنها مختلفان لأن الأول كونوا ممن ينصرون الله فمعنى هذا النكرة فيجب أن يكون أنصارا لله وإن كانت الإضافة فيه تجوز أي كونوا الذين يقال لهم: هذا، والثاني معناه المعرفة. ألا ترى أنك إذا قلت: فلان ناصر لله فمعناه ممن يفعل هذا، وإذا عرفته فمعناه المعروف بهذا، كما قال: [البسيط] 483
هو الجواد الذي يعطيك نائله ... حينا ويظلم أحيانا فيظّلم