التفاضل فيهما ، كما جائز على الصف الذي هو الفرع ، والبنيان الذي
هو الأصل زوال المشابه عنهما ، بأن يتهدم البنيان ، ويتفرق نظام
الصف بالفرار وغيره ، فيقع فيما هو أقبح من الأول أو ينصف -
من نفسه - فيقول: إن ائتلاف مشابه الحنطة والأرز لم يصيّر الأرز حنطة ،
كما لم يصيِّر مشابه الصف من البنيان الصف بنيانًا ، وحكم التحريم غير
المشابه ، لأن التحريم لا يدرك عينه في الحنطة ، كما يدرك عين الكيل
فيها وفي الأرز ، ويدرك ثبات المقاتلين في الحرب وثبات البنيان معًا.
فنفس ادعاء مشابهة التحريم من الحنطة والأرز خطأ ومكابرة قبل أن
يسلكا في التحريم مسلكا واحدًا ، وادعاء مشابه ثبات البنيان والصف
صواب في الحكاية.
ولو ادعى مدع أن المقاتلين في الصف ثبتوا من أجل أن البنيان حكمه
أن يثبت ، لا أن ثباتهم كان بمعنى آخر ، وإنما شبه نفس ثباتهم بالبنيان
لكان حينئذ مساويًا في الخطأ المدَّعَى مشابه التحريم من الحنطة والأرز.
فلما علم بلا إشكال أن ثبات المقاتلين في الصف ليس من أجل
ثبات البنيان في الأس ، وإنما ثباتهم في الصف ، أو إزماعهم على
المظاهرة يشبه ثبات البنيان علمنا أن التحريم في تفاضل الحنطة لم يقع
من أجل أنها مأكولة مكيلة فيلزمنا حمل الأرز عليه من أجل أنه مأكول
مكيل.
قوله: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) ،
دليل على أنهم كانوا يجحدون نبوته فيكفرون بها على بصيرة ، وكذا كان - عندي - سبيل كل نبي مع قومه ، يعرفونه ، ثم ينكرونه ، لتكون الحجة ألزم لهم ، ألا تراه يقول - سبحانه في
محمد ، صلى الله عليه وسلم -: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ(89) ،
فاستوجبوا اللعنة بجحودهم به بعد العرفة.
قوله: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) ،