الجواب أن يقال: إن الكذب مصدر يسمى به الكلام المكذوب فيه، وهو في قوله تعالى: {افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً} على أصله مصدر غير منقول، والمصدر إذا عرف قصد به الجنس، والفرق بين معرفته ونكرته إذا قال القائل: قلت كذبا أي: قلت نوعا من أنواع الكذب التي هي كثيرة، وإذا قال: قلت الكذب، فكأنه قال: قلت القول الذي يشهد بالكذب ويشار إليه به، وليس يراد به الجنس كله، كما لا يراد إذا قال: شربت الماء، كل الماء، وإنما يراد بعضه بدلالة العرف، وإنما يختار التنكير إذا قارنه لفظ يقتضيه أو كلام متقدم عليه يوجب له ذلك، ومما قارنه لفظ يقتضي له التنكير كل موضع جاء فيه: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ} فقوله: {أَوْ كَذَّبَ} يقتضي أحد كذبين،
وإذا ضم إلى الكذب الأول كذبا ثانيا يثنى به الأول المذكور، وما يكون له أمثال يتنكر بعضها ببعض كما كان ذلك فيما يقع على واحد من أمة شائع فيها، فيكون فيها نكرة، فإذا جاءت بعد: {كَذَّبَ} قرينة تقتضي له التنكير، فأكثر ما جاء منكرا معها وهو: {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} أو: {قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} أو: