وفعلاً لم يكن النَّبي صلى الله عليه وسلم يمتحن من هاجر إليه والسبب في امتحانهن دون الرجال ، هو ما أشارت إليه هذه الآية في قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} ، كأن الهجرة وحدها لا تكفي في حقهن بخلاف الرجال ، فقد شهد الله لهم بصدق إيمانهم بالهجرة في قوله {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أولئك هُمُ الصادقون} [الحشر: 8] وذلك أن الرجل إذا خرج مهاجراً يعلم أن عليه تبعة الجهاد والنصر فلا يهاجر إلا وهو صادق الإيمان فلا يحتاج إلى امتحان ، ولا يرد عليه مهاجر أم قيس لأنه أمر جانبي ، ولا يمنع من المهمة الأساسية للهجرة المنوه عنه في أول هذه السورة {إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي} [الممتحنة: 1] الآية ، بخلاف النساء فليس عليهن جهاد ولا يلزمهن بالهجرة أية تبعية ، فأي سبب يواجههن في حياتهم سواء كان بسبب الزوج أو غيره ، فإنهن يخرجن باسم الهجرة. فكان ذلك موجباً للتوثق من هرجتهن بامتحانهن ليعلم إيمانهن ، ويرشح لهذا المعنى قوله تعالى: {الله أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} ، فوي حق الرجال {أولئك هُمُ الصادقون} [الحجرات: 15] ، وكذلك من جانب آخر وهو أن هجرة المؤمنات يتعلق عليها حق مع طرف آخر ، وهو الزوج فيفسخ نكاحها منه ، ويعوض هو عما أنفق عليها ، وإسقاط حقه في النكاح وإيحاب حقه في العوض قضايا حقوقية ، تتطلب إثباتاً بخلاف هجرة الرجال. والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار} معلوم أن المؤمنات المهاجرات بعد الامتحان والعلم بأنهن مؤمنات لا ينبغي إرجاعهن إلى الكفار ، لأنهم يؤونهن إن رجعن إليهم ، فلأي شيء يأتي النص عليه؟