أما القسم العام وهم الذين كفروا بما جاءهم من الحق لكنهم لم يعادوا المسلمين في دينهم لا بقتال ولا بإخراج ولا بمعاونة غيرهم عليهم ولا ظاهروا على إخراجهم ، فهؤلاء من جانب ليسوا محلاً للموالاة لكفرهم ، وليس منهم ما يمنع برهم والإقساط إليهم.
وعلى هذا فإن الآية الثانية ليس فيها جديد بحث بعد البحث المتقدم في أول السورة ، وبقي البحث في الآية الأولى ، ومن جانبين: الأول: بيان من المعنى بها ، والثاني: بيان حكمها ، وهل هي محكمة أم نسخت.
وقد اختلفت أقوال المفسرين في الأمرين ، ولأهمية هذا المبحث وحاجة الأمة إليه في كل وقت ، وأشد ما تكون في هذا العصر لقوة تشابك مصالح العالم وعمق تداخلها ، وترابط بعضه ببعض في جميع المجالات ، وعدم انفكاك دولة عن أخرى مما يزيد من وجوب الاهتمام بهذا الموضوع.
وإني مستعين الله في إيراد ما قيل فيها ، ثم مقدم ما يمكن أخذه من مجموع أقوال المفسرين ، وكلام الشيخ رحمة الله عليه.
القول الأول إنها منسوخة ، قال القرطبي عن أبي زيد أنها كانت في أول الإسلام زمن الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم نسخت قيل بآية: {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] قاله قتادة.
وقيل: كانت في أهل الصلح فلما زال زال حكمها وانتهى العمل بها بعد فتح مكة.
وقيل: هي في أًحاب العهد حتى ينتهي عهدهم أو بنبذ إليهم أي أنها كانت مؤقتة بوقت ومرتبطة بقوم.
وقيل: إنها كانت في العاجزين عن القتال من النساء والصبيان من المشركين.
وقيل: إنها في ضعفة المؤمنين عن الهجرة حينما كانت الهجرة واجبة ، فلم يستطيعوا ، وعلى كل هذه الأقوال تكون قد نسخت ، بفوات وقتها وذهاب من عني بها.