ونكتفي بهذا القدر من الاستطراد لنعود إلى سياق السورة في حكم المؤمنات المهاجرات: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن , الله أعلم بإيمانهن , فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار , لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن , وآتوهم ما أنفقوا , ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ; ولا تمسكوا بعصم الكوافر , واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا . ذلكم حكم الله يحكم بينكم , والله عليم حكيم . وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا , واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) . .
وقد ورد في سبب نزول هذه الأحكام أنه كان بعد صلح الحديبية الذي جاء فيه:"على ألا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا". . فلما كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) والمسلمون معه بأسفل الحديبية جاءته نساء مؤمنات يطلبن الهجرة والانضمام إلى دار الإسلام في المدينة ; وجاءت قريش تطلب ردهن تنفيذا للمعاهدة . ويظهر أن النص لم يكن قاطعا في موضوع النساء , فنزلت هاتات الآيتان تمنعان رد المهاجرات المؤمنات إلى الكفار , يفتن في دينهن وهن ضعاف .
ونزلت أحكام هذه الحالة الدولية معها , تنظم التعامل فيها على أعدل قاعدة تتحرى العدل في ذاته دون تأثر بسلوك الفريق الآخر , وما فيها من شطط وجور . على طريقة الإسلام في كل معاملاته الداخلية والدولية .
وأول إجراء هو امتحان هؤلاء المهاجرات لتحري سبب الهجرة , فلا يكون تخلصا من زواج مكروه , ولا طلبا لمنفعة , ولا جريا وراء حب فردي في دار الإسلام !
قال ابن عباس:كان يمتحنهن:بالله ما خرجت من بغض زوج , وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض , وبالله ما خرجت التماس دنيا , وبالله ما خرجت إلا حبا لله ورسوله .
وقال عكرمة:يقال لها:ما جاء بك إلا حب الله ورسوله , وما جاء بك عشق رجل منا , ولا فرارا من زوجك .