وأصله مما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد ، قال في هذه الآية: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيه وخيرته من خلقه ، ثم لم يستحل له أمر إلا بشرط ، لم يقل: {وَلَا يَعْصِينَكَ} ويترك حتى قال: {فِي مَعْرُوفٍ} فكيف ينبغي لأحد أن يطاع في غير معروف ، وقد اشترط الله هذا على نبيه ؟
ثم نبه تعالى في آخر السورة بما نبّه به في فاتحتها ، من النهي عن موالاة محاربي الدِّين ، تحذيراً من التهاون في ذلك ، وزيادة اعتناء به ، فقال سبحانه:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} [13]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي: مسخوطاً عليهم لمعاداتهم الحق ، ومحاربتهم الصلاح ، وعيثهم الفساد . وهو عام في كل محارب ، ومنهم من خصه باليهود ، لأنه عبر عنهم في غير هذه الآية بالمغضوب عليهم ، واقتصر عليه الزمخشري . قال الناصر: قد كان الزمخشريّ ذكر في قوله ، {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ} إلى قوله: {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} [فاطر: 12] ، أن آخر الآية استطراد ، وهو فن من فنون البيان ، مبوّب عليه عند أهله . وآية الممتحنة هذه ممكنة أن تكون من هذا الفن جداً ، فإنه ذم اليهود ، واستطرد ذمهم بذم المشركين ، على نوع حسن من النسبة . وهذا لا يمكن أن يوجد للفصحاء في الاستطراد أحسن ولا أمكن منه ، ومما صدروا به هذا الفن قوله:
إذا ما اتقى اللهَ الفتى وأطاعه فليس به بأس وإن كان من جُرْمِ
وقوله:
إن كنت كاذبَة الذي حدثتني فنجوتِ منجى الحارث بن هشامِ
وقوله:
ترك الأحبة أَنْ يقاتِلَ دونهم ونَجَا برأسِ طِمِرَّةٍ وَلِجَامِ
انتهى .