فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما هذا يا حاطب ) قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله ! إني كنت أمرءاً من قريش ، ولوسلم: من أنفسهم ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة ، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ، ولا ارتداداً عن ديني . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنه قد صدقكم ) فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه ! فقال: ( إنه شهد بدراً ، وما يدريك ، لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر ، فقال: اعملوا ما شئتم ، فقد غفرت لكم ! )
قال عمرو بن دينار - راوي الحديث - ونزلت فيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي} الآيات .
قال ابن كثير: كان حاطب هذا رجلاً من المهاجرين ، ومن أهل بدر . وكان له بمكة أولاد ومال ، ولم يكن من قريش أنفسهم ، بل كان حليفاً لعثمان . فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة ، لمَّا نقض أهلها العهد ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتجهيز لغزوهم وقال: ( اللهم عمِّ عليهم خبرنا ) فعمد حاطب هذا ، فكتب كتاباً إلى أهل مكة يعلمهم بما عزم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوهم ، ليتخذ بذلك عندهم يداً . كما ذكر في الحديث .
الثاني: قال ابن كثير: يعني تعالى بقوله {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء} المشركين والكفار ، الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين ، الذين شرع الله عداوتهم ومصارمتهم ، ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء ، كما قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51] ، وهذا تهديد شديد ، ووعيد أكيد ، وقال تعالى: