وكل ما يراه الإسلام منكرًا في حق أبنائه، وهو مباح في دينهم، فعليهم -إن فعلوه- ألا يعلنوا به، ولا يظهروا في صورة المتحدى لجمهور المسلمين، حتى تعيش عناصر المجتمع كلها في سلام ووئام.
عن عرفة بن الحارث -وكانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم وقاتل مع عكرمة بن أبى جهل باليمن في الردة- أنه دعا نصرانيًا إلى الإسلام فذكر النصراني النبي صلى الله عليه وسلم فتناوله -أي بسوء القول- فرفع ذلك إلى عمرو بن العاص، فقال عمرو: قد أعطيناهم العهد؛؛ فقال عرفة: معاذ الله أن نكون أعطيناهم العهود والمواثيق على أن يؤذونا في الله ورسوله، إنما أعطيناهم العهد على أن نخلي بينهم وبين كنائسهم، يقولون فيها ما بدا لهم وألا نحملهم ما لا طاقة لهم به، وأن نقاتل من ورائهم، وأن نخلي بينهم وبين أحكامهم، إلا أن يأتونا، فنحكم بينهم بما أنزل الله. فقال عمرو: صدقت. (رواه الطبراني بسند فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال عبد الملك بن سعيد: ثقة مأمون، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات. مجمع الزوائد ج ـ 6 ص 13) .
قضية الجزية
فمن هذه الشبهات التي يثيرها المبشرون والمستشرقون قضية الجزية التي غُلِّفت بظلال كئيبة، وتفسيرات سوداء، جعلت أهل الذمة يفزعون من مجرد ذكر اسمها، فهي في نظرهم ضريبة ذل وهوان، وعقوبة فُرِضت عليهم مقابل الامتناع عن الإسلام.
وقد بيَّنتُ فيما سبق وجه إيجاب الجزية على الذميين، وأنها بدل عن فريضتين فُرِضتا على المسلمين وهما: فريضة الجهاد وفريضة الزكاة، ونظرًا للطبيعة الدينية لهاتين الفريضتين لم يُلزم بهما غير المسلمين.
على أنه في حالة اشتراك الذميين في الخدمة العسكرية والدفاع عن الحَوْزَة مع المسلمين فإن الجزية تسقط عنهم.
كما أني بحثت في كتابي"فقه الزكاة"مدى جواز أخذ ضريبة من أهل الذمة بمقدار الزكاة، ليتساووا بالمسلمين في الالتزامات المالية، وإن لم تُسمَّ"زكاة"نظرًا لحساسية هذا العنوان بالنظر إلى الفريقين. ولا يلزم أيضًا أن تسمى"جزية"ماداموا يأنفون من ذلك. وقد أخذ عمر من نصارى بنى تغلب الجزية باسم الصدقة تألفًا لهم، واعتبارًا بالمسميات لا بالأسماء (انظر كتابنا فقه الزكاة ج 1 ص 98 - 104) .