ثم لما أمرهم سبحانه بإقامة الدين ، نهاهم عن الاختلاف فيه ، فقال: {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} أي: لا تختلفوا في التوحيد ، والإيمان بالله ، وطاعة رسله ، وقبول شرائعه ، فإن هذه الأمور قد تطابقت عليها الشرائع ، وتوافقت فيها الأديان ، فلا ينبغي الخلاف في مثلها ، وليس من هذا فروع المسائل التي تختلف فيها الأدلة ، وتتعارض فيها الأمارات ، وتتباين فيها الأفهام ، فإنها من مطارح الاجتهاد ، ومواطن الخلاف.
ثم ذكر سبحانه أن ما شرعه من الدين شقّ على المشركين ، فقال: {كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} أي: عظم ، وشق عليهم ما تدعوهم إليه من التوحيد ، ورفض الأوثان.
قال قتادة: كبر على المشركين ، واشتدّ عليهم شهادة أن لا إله إلاّ الله وحده ، وضاق بها إبليس ، وجنوده ، فأبى الله إلاّ أن ينصرها ، ويعليها ، ويظهرها ، ويظفرها على من ناوأها.
ثم خصّ أولياءه ، فقال: {الله يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاء} أي: يختار ، والاجتباء الاختيار ، والمعنى: يختار لتوحيده ، والدخول في دينه من يشاء من عباده.
{وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} أي: يوفق لدينه ، ويستخلص لعبادته من يرجع إلى طاعته ، ويقبل إلى عبادته.
ثم لما ذكر سبحانه ما شرعه لهم من إقامة الدين ، وعدم التفرق فيه ذكر ما وقع من التفرّق ، والاختلاف ، فقال: {وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم} أي: ما تفرّقوا إلاّ عن علم بأن الفرقة ضلالة ، ففعلوا ذلك التفرّق للبغي بينهم بطلب الرياسة ، وشدّة الحمية.