وجعل قوله سبحانه: {وَهُوَ القوى العزيز} مؤذناً بالتعليل كأنه قيل: إنما تلطف جل شأنه في حق عباده المؤمنين دون من غضب عليهم بمحض مشيئته سبحانه لأنه تعالى قوي قادر على أن يختص برحمته وكرامه من يشاء من عباده عزيز غالب لا يمنعه سبحانه عما يريده أحد ، وادعى أنه يكون وزان الآية على هذا مع قوله تعالى:
{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ} الآية وزان قوله عز وجل: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها وَقَدْ خَابَ مَن دساها} [الشمس: 7 10] وينتظم الكلام أتم انتظام وتلتئم أطرافه أشد التآم ، ولا يقال حينئذ: إن قوله تعالى: {يَرْزُقُ مَن يَشَاء} [الشورى: 19] حكم مترتب على السابق فكان ينبغي أن يعم عمومه والعموم أظهر ، وحديث التخصيص في {يَرْزُقُ مَن يَشَاء} فقد أجاب عنه"صاحب التقريب"فقال إنما خصص الرزق بمن يشاء مع أنهم كلهم بر سبحانه بهم لأنه تعالى قد يخص أحداً بنعمة وغيره بأخرى فالعموم لجنس البر والخصوص لنوعه.
وأشار جار الله إلى أنه لا تخصيص بالحقيقة فإن المعنى الله تعالى بليغ البر بجميع عباده يرزق من يشاء ما يشاء سبحانه منه فيرزق من يشاء بيان لتوزيعه على جميعهم فليس الرزق لا النصيب الخاص لكل واحد ، ولما شمل الدارين لاءم قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ} الخ كل الملاءمة ، ولا يتوقف هذا على ما قاله الطيبي ، ولعل أمر التذييل بالاسمين الجليلين على القول بالعموم أظهر والتعليل أنسب فكأنه قيل: لطيف بعباده عام الإحسان بهم لأنه تعالى القوي الباهر القدرة الذي غلب وغلبت قدرته سبحانه جميع القدر يرزق من يشاء لأنه العزيز الذي لا يغلب على ما يريد فكل من الاسمين الجليلين ناظر إلى حكم فافهم وقل رب زدني علماً:
فكم لله من لطف خفي...
يدق خفاه عن فهم الذكي