من الفقير ، ولا الفقر أفضل من الغنى ، إلا أن الأغلب أن فتنة المال أكثر من
فتنة الفقر ، وللفقر - أيضاً - فتنة.
وأما ما عليه الصوفية الحرمين للكسب ، فإن الله - جل وعلا - لا
تضمّن الأرزاق ، وقدّر تنزيلها ، لم يَعد أحدا في كتابه أنه يوصله إليه بغير
واسطة سبب ، بل خلق المكاسب ، وأباحها لخلقه ، فقال: (أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) ، وجعل رزق نبيه ، صلى اللَّه عليه وسلم ، تحت ظل رمحه ، يصل إليه بقتال العدو ، فالغنائم ، والتجارات ، وأعمال اليد - كلها - مكاسب ، ودل في
كتابه ، وعلى لسان نبيه ، صلى الله عليه وسلم
على وجوب التجارات ، وعلى ما يحل منها ، ويحرم ، فلو كانت
أسباب الرزق محرمة لكانت هذه الأشياء: من أبواب الربا ،
والغرر ، وبيوع الجاهلية لا تخص دون سائرها بالتحريم ، ولكان
تحريم المكاسب جملة قد حظر جميع التصرف وهذا قول عظيم ، خبيث
يؤدي إلى الإباحة - لمن ميزه - ويسوي بين أملاك
المسلمين ، وأهل الحرب ، إذ لابد لمن يقول: بتحريم المكاسب من
أكل ، وشرب ، ولباس ، فإذا لم يميز وجوهه ، ورأى ما يصل إليه من
الوجوه - كلها - مباحًا فقد دخل في هذه التسوية ، وأباح أخذ الأموال
بالسرقة ، والغصوب ، والاقتدارات ، كما يبيح أموال أهل الحرب
سواء ، وهذا سوء مقال ، وأجدره بالمحال ، وأردّهُ للقرآن - كله -
مثل قوله: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) ، وقال: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) و (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا) ، فمن حرم الكسب - وهو مجوف محتاج إلى الأكل ، والشرب ولا يسل ولا يتعرض إذ ، المسألة ، والتعرض معًا