كان الكلام إخبارا عن نفسه ، على نسق ابتداء أوله لكان - والله أعلم -:
"ذلكم الله ربكم"
الشريعة:
وقوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)
دليل على أن دين هؤلاء - كلهم - وشرائعهم واحد ، وما وقع فيه من تغيير
شيء ، فهو مثل الناسخ والمنسوخ ، في كتابنا ، لا أن الشريعة -
بأسرها - متغيرة كلها.
قوله: (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ)
حجة في إجازة الرجوع من لفظ خبر الغائب ، إلى خبر الحاضر.
قوله: (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ)
"الهاء"راجعة على"ما"، والشهادة داخلة فيه . وهو حجة على المعتزلة ، والقدرية ، لذكر المشيئة في الاجتباء ، والهداية إلى ما كبر على المشركين ،
واستوحشوا من دعائهم إليه ، فضادوه ، وأفرغوا مجهودهم في
خفضه ، وأبى الله إلا رفعه ، وإمضاءه ، حجة عليهم.
وقوله تعالى: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) ، حجة عليهم ، إذ ليست تخلو هذه الكلمة - السابقة -
من أن تكون في اختلافهم ، أو في بقائهم عليه إلى الموت الموقت
أجله ، وأيهما كان فهو حجة عليهم مسكتة ، وسياق الكلام دليل على
أنها سابقة في نفس الاختلاف ، لقوله: (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) ، وذلك أن
اللَّه - جل جلاله - نهى نوحًا ومن أدخل معه في الوصية عن التفرق
في الدين ، وأمرهم بإقامته ، فأتمروا لربهم ، ولم يفرقوا دينهم ، فلما
صار الكتاب في أيدي من بعدهم شكوا فيه ، وتدرعوا في
الاختلاف ، فأخبر الله أن اختلافهم من القضاء السابق عليهم.
فأي شيء يلتمس بعد هذا البيان - ويحهم - لو أنصفوا ، فما بينهم
وبين الوصول إلى فهمه إلا تدرع لباس الجهل ، بمعرفة عدله ، وقد تخلصوا.
مخاطبة الجهال: