قال ابن كثير: وإذا كان الأمر كذلك ، فلا بد من دار أخرى يثاب فيها هذا المطيع ، ويعاقب فيها هذا الفاجر ، وهذا الإرشاد يدل العقول السليمة ، والفطر المستقيمة ، على أنه لا بدّ من معاد وجزاء ، فإذا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ، ويموت كذلك ، ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده ، فلا بد في حكمة الحكيم العليم العادل ، الذي لا يظلم مثقال ذرة ، من إنصاف هذا من هذا ، وإذا لم يقع هذا في هذه الدار ، فتعين أن هناك داراً أخرى لهذا الجزاء والمواساة ، ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة ، قال تعالى:
{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} أي: كثير الخير: {لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} قال المهايمي: أي: لينظروا في ألفاظه وترتيبها ولوازمها ، فيستخرجوا منها علوماً بطريق الاستدلال . وقال الزمخشري: تدبر الآيات: التفكر فيها ، والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة ، والمعاني الحسنة ، لأن من اقتنع بظاهر المتلو لم يَحْلَ منه بكثير طائل . وكان مثله كمثل من له لقحة درور لا يحلبها ، ومرة نثور لا يستولدها . وعن الحسن: قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله ، حفظوا حروفه وضيعوا حدوده ، حتى إن أحدهم ليقول: والله ! لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفاً ، وقد - [و] الله ! - أسقطه كله ، ما يُرى للقرآن عليه أثر في خُلُق ولا عمل ، والله ! ما هو بحفظ حروفه ، وإضاعة حدوده ، والله ما هؤلاء بالحكماء ، ولا الوزعة ، لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء . اللهم اجعلنا من العلماء المتدبرين ، وأعذنا من القراء المتكبرين .