{فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} ولا تقتضي هذه القصة على هذه الراوية أن داود عليه السلام وقع فيما لا يجوز شرعاً ، وإنما عوتب على أمر جائز ، كان ينبغي له أن يتنزه عنه لعلوّ مرتبته ومتانة دينه ، فإنه قد يعاتب الفضلاء على ملا يعاتب عليه غيرهم ، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وأيضاً فإنه كان له تسع وتسعون امرأة ، فكان غنياً عن هذه المرأة فوقع العتاب على الاستكثار من النساء ، وإن كان جائزاً ، وروُي هذه الخبر على وجه آخر ، وهو أن داود انفرد يوماً في محرابه للتعبد ، فدخل عليه طائر من كوه فوقع بين يديه فأعجبه ، فمد يده ليأخه فطار على الكوه فصعد داود ليأخذه ، فرأى من الكوة أمراة تغتسل عريانة فأعجبته ، ثم انصرف فسأل عنها فأخبر أنها امرأة رجل من جنده ، وأنه خرج للجهاد مع الجند ، فكتب داود إلى أمير تلك الحرب أن يقدم ذلك الرجل يقاتل عند التابوت ، وهو موضع قل ما تخلص أحد منه ، فقدم ذلك الرجل فقاتل حتى قتل شهيداً ، فتزوج داود امرأته فعوتب على تعريضه ذلك الرجل للقتل ، وتزوجه امرأته بعده مع أنه كان له تسع وتسعون امرأة سواها ، وقيل: إن داود همَّ بذلك كله ولم يفعله ، وإنما وقعت المعاتبة على همه بذلك ، ورُوي أن السبب فيما جرى له مثل ذلك أنه أعجب بعلمه ، وظهر منه ما يقتضي أنه لا يخاف الفتنة على نفسه ففتن بتلك القصة ، وروُي أيضاً أن السبب في ذلك أنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، والتزم أن يبتلى كما ابتلوا فابتلاه الله بما جرى له في تلك القصة {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ} سؤال مصدر مضاف إلى المفعول ، وإنما تعدى بإلى لأنه تضمن معنى الإضافة كأنه قال: بسؤال نعجتك مضافة إو مضمومة إلى نعاجه ، فإن قيل: كيف قال له داود: {لَقَدْ ظَلَمَكَ} قبل أن يثبت عنده ذلك؟ فالجواب أنه رُوي أن الآخر اعترف بذلك وحذف ذكر اعترافه اختصاراً ، ويحتمل