قال المفسرون: فبقي في سجوده أربعين ليلة ، لا يرفع رأسه إلاّ لوقت صلاة مكتوبة أو حاجة لا بُدَّ منها ، ولا يأكل ولا يشرب ، فأكلتِ الأرضُ من جبينه ، ونَبَتَ العُشْبُ من دموعه ، ويقول في سجوده: ربَّ داود زَلَّ داودُ زَلَّة أبعدَ ممّا بين المشرق والمغرب.
قال مجاهد: نبت البقلُ من دموعه حتى غطَّى رأسَه ثم نادى: ربِّ قَرِح الجبين وجَمَدت العينُ وداوُدُ لم يَرْجِع إِليه في خطيئته شيء ، فنودي أجائع فتُطْعَم ، أم مريض فتُشْفَى أم مظلومٌ فيُنتصَر لك؟ فنَحَبَ نَحيباً هاج كلَّ شيء نَبَتَ ، فعند ذلك غفر له.
وقال ثابت البناني: اتخذ داوُدُ سبع حشايا من شَعْر وحشاهُنَّ من الرَّماد ، ثم بكى حتى أنفذها دموعاً ، ولم يشرب شراباً إلا ممزوجاً بدموع عينيه.
وقال وهب بن منبه: نودي: يا داود ارفع رأسك فإنّا قد غَفَرْنا لكَ ، فرفع رأسه وقد زَمِن وصار مرعشاً.
فأمّا قوله: {وأنابَ} فمعناه: رَجَع مِنْ ذَنْبه تائباً إلى ربِّه ، {فَغَفَرْنا له ذلكَ} يعني الذَّنْب {وإِنّ له عِنْدَنا لَزُلْفَى} [قال ابن قتيبة] : أي: تقدَّمُ وقُرْبة.
قوله تعالى: {وحُسْنَ مَآبٍ} قال مقاتل: حُسْن مَرْجِع ، وهو ما أعدَّ الله له في الجنة.
قوله تعالى: {يا داوُدُ} المعنى: وقلنا له يا داود {إِنَّا جَعَلْناكَ} أي: صيّرْناكَ {خليفةً في الأرض} أي: تُدَبِّرُ أَمْرَ العباد مِنْ قِبَلنا بأمرنا ، فكأنك خليفة عنّا {فاحْكُم بين الناس بالحق} أي: بالعدل {ولا تَتَّبِعِ الهوى} أي: لا تَمِلْ مع ما تشتهي إِذا خالف أَمْرَ الله عز وجل {فيُضِلَّكَ عن سبيل الله} أي: عن دينه {إنَّ الذين يَضِلُّونَ} وقرأ أبو نهيك ، وأبو حيوة ، وابن يعمر: {يُضِلُّونَ} بضم الياء.
قوله تعالى: {بما نَسُوا يومَ الحساب} فيه قولان:
أحدهما: بما تَرَكُوا العمل ليوم الحساب ، قاله السدي.