فإن قيل: كيف قال المَلَكان هذا ، وليس شيء منه موجوداً عندهما؟
فالجواب: أن العلماء قالوا: إنما هذا على سبيل المَثَل والتشبيه بقصة داوُد ، وتقدير كلامهما: ما تقولُ إن جاءك خصمان فقالا كذا وكذا؟ وكان داوُد لا يرى أن عليه تَبِعَةً فيما فَعَلَ فنبَّهه اللهُ بالمَلَكين.
وقال ابن قتيبة: هذا مَثَل ضربه اللهُ [له] ونبًّهه على خطيئته.
وقد ذكرنا آنفاً أن المعنى: نحنُ كخَصْمَين.
قوله تعالى: {قال} يعني داود {لقد ظَلَمَكَ بسؤال نَعْجتكَ إِلى نِعاجهِ} قال الفراء: أي: بسؤاله نعجتك ، فإذا ألقيتَ الهاء من السؤال ، أضفتَ الفعل إِلى النَّعْجة ، ومِثْلُه: {لا يَسْأَمُ الإِنسانُ مِنْ دُعَاءِ الخَيْرِ} [فصلت: 49] أي: من دعائه بالخير ، فلمّا ألقى الهاء ، أضاف الفعل إِلى الخير ، وألقى من الخير الباء ، وأنشدوا:
فَلَسْتُ مُسَلِّماً ما دُمْتُ حَيّاً ...
على زَيْدٍ بتسليمِ الأميرِ
أي: بتسليم على الأمير.
قوله تعالى: {إلى نِعاجه} أي: لِيَضُمَّها إلى نِعاجه.
قال ابن قتيبة: المعنى بسؤال نعجتك مضمومةً إِلى نعاجه فاختُصر.
قال: ويقال"إلى"بمعنى"مع".
فإن قيل: كيف حكم داود قبل أن يَسمع كلامَ الآخر؟
فالجواب: أن الخصم الآخر اعترف ، فحكم عليه باعترافه ، وحذف ذِكر الاعتراف اكتفاءً بفهَم السامع.
والعرب تقول: أمرتُك بالتجارة فكسبتَ الأموال ، أي فاتجَّرتَ فكسبتَ.
ويدُلُّ عليه قولُ السدي: إِن داوُد قال للخصم الآخر: ما تقول؟ قال: نعم ، أريد أن آخذها منه فأُكمل بها نعاجي وهو كاره.
قال: إِذاً لا ندعُك وإِن رُمْتَ هذا ضربْنا منكَ هذا ويشير إلى أَنْفه وجبهته فقال: أنت ياداوُدُ أَحَقُّ أن يُضرب هذا منكَ حيث لك تسع وتسعون امرأة ، ولم يكن لأوريا إِلا واحدة ، فنظر داوُد فلم ير أحداً فعَرَف ما وقع فيه.