قوله تعالى: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) }
قال ابن عرفة: هذا من باب مطرنا السهل والجبل، فالمراد بالبناء: من يعمل منهم العمل المرتفع على الأرض، وبالغواص: من يعمل منهم العمل المنخفض في الأرض من حفر الآبار وغيرها.
قوله تعالى: {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) }
وليس المعنى سخرنا له آخرين؛ بأن المقرن في الأصفاد غير مسخر للخدمة.
قوله تعالى: {مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) }
وقال تعالى في سورة الأنبياء (مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ، فأجيب: أن آية الأنبياء أتت في معرض الامتنان؛ فذكر النعم لأن قبلها (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ) ، ثم قال تعالى (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا) ، ثم قال تعالى(وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ
مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ)، وقال تعالى (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ) ، (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) ، وهذه الآية خرجت مخرج ما عنى بالأنبياء لأن قبلها (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) ، ثم قال (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ) ، ومنهم من أجاب: بأن (مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ) فيما هو الأصل الأهم.
قوله تعالى: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ... (42) }
ابن عرفة: يؤخذ منه جواز التداوي للمرض، أو ترجيحه مع الإجماع على عدم وجوبه؛ إلا إذا أدى تركه إلى الإخلال بالفرض؛ فإنه يجب كمن يمنعه المؤمن من الصلاة قائما، فيجب عليه التداوي. وهنا جعل له الماء دواه.
وذكر ابن عطية في سبب نزول الآية: أنه دخل على بعض الملوك فرأى منكرا فلم يغيره، قال: وروي أنه ذبح شاه وطبخها؛ وله جار جائع فلم يطعمه منها.
قال ابن عرفة: أما الثاني: فخفيف إذ لعله لم يعلم بحاجة جاره، وأما الأول: فشديد لا يحل نقله وإسناده إلى الأنبياء.
قال الزمخشري: فإن قلت: لم نسبه إلى الشيطان؛ ولا يجوز أن يسلط على أنبيائه؟ قلت: لما كانت وسوسته سببا فيما مسه من المرض نسبه إليه؛ وقد راع الأدب حيث لم ينسبه إلى الله تعالى في دعائه مع أن الله تعالى فاعله.