وكان سبب اختيار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا رب ، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لَوَدِدْتُ أنك أعطيتني مثله . فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به ، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به ، وأعطيتك كما أعطيتهم ، قال: نعم ، فأقام ما شاء الله أن يُقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه . فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب ، فذهب ليأخذها ، فطارت . فاطَّلع من الكوة فرأى امرأة تغتسل . فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم من المحراب وأرسل إليها ، فجاءته ، فسألها عن زوجها وعن شأنها ، فأخبرته أن زوجها غائب ، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ أن يُؤَمِّرَهُ على السرايا لِيَهْلَكَ زوجها ، ففعل . فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا . وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه ، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه.
فلما رأهما وهو يقرأ فَزِعَ وسكت ، وقال: لقد استُضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون علي في محرابي ، قالا له: لا تخف ، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم
يكن لنا بد من أن نأتيكما فاسمع منا . قال أحدهما . {إِنَّ هَذَآ أَخِي} - إلى {وَعَزَّنِي فِي الخطاب} .
قال له داود: أنت كنت أحوجَ إلى نعجتك منه ، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ونسي نفسه صلى الله عليه وسلم . فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك ، فتبسم أحدهما إلى الآخرة فرآه داود أنه فتن ، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينينه ثم شدد الله له ملكه.
روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية ، ارفع رأسك ، فرفع رأسه.