وقوله تعالى: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ} [ص: 37] أي: وسخَّرنا أيضاً له الشياطين، منهم البنَّاء وهو الذي يعمل ويجهد طاقته في يابسة الأرض ويعمرها. والغواص مَنْ يجهد طاقته في البحر ليخرج نفائسه {وَآخَرِينَ ..} [ص: 38] أي: من الشياطين {مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ} [ص: 38] أي: مقيدين ومكبَّلين بالسلاسل. والأصفاد جمع: صفد وهو السلسلة.
فهؤلاء مقيدون ليسوا مُطلقين كالبنَّاء والغوَّاص، لكن لماذا قيَّد اللهُ هؤلاء، وأطلق هؤلاء؟ قالوا: لأن منهم الصالحين الطائعين، ومنهم العصاة الذين تأبَّوْا على منهج الله، ومن الممكن أنْ يتأبَّى أيضاً على رسول الله، وهؤلاء هم الذين يُقيِّدون بالسلاسل، فكأن الصالحين يخدمونه بتوجيه الإيمان، وغير الصالحين يخدمونه بتوجيه القيود والسلاسل، يعني هؤلاء بالرغبة وهؤلاء بالرهبة.
ثم يقول سبحانه: {هَذَا عَطَآؤُنَا ..} [ص: 39] فالعطاء مناسب لطلب سليمان حين طلب من الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، قال:
{إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [ص: 35] فردَّ الله عليه {هَذَا عَطَآؤُنَا ..} [ص: 39] وما دمت قد وهبتك فسوف أجعلك تتصرف فيما وهبته لك لأنني أمنَّتك {فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39] يعني: أنت حر في أنْ تعطي أو أنْ تمسكَ وتمنع.
والحق سبحانه لم يجعل لسليمان طلاقة التصرُّف، إلا لأنه ضمن منه عدالة التصرف، لأن سليمان حين طلب الملْك الواسع تعهَّد لله تعالى بهذه العدالة، لذلك قالوا عنه - عليه السلام - إنه كان لا يأكل إلا خشكار الحب يعني الردَّة أو النخالة، ويترك الصافي للعبيد ولعامة الناس.
فكأنه لم يطلب النعمة والملْك الواسع ليتنعم هو به، أو يتباهى، إنما طلبه ليسخره في خدمة الدعوة إلى الله، ولأنه سيجابه قوةً كانت أعظمَ القُوَى في هذا الوقت، ويكفي أن الله تعالى وصف هذه القوة بقوله:
{وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23] أي: بلقيس.
وهنا وفي هذه المواجهة سيظهر أثر الملْك وقيمته، فلما أغرتْه بلقيس بالمال قال:
{أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل: 36] .