و {الأعناق} : جمع عنق وهو الرقبة.
والباء في {بالسُّوقِ} مزيدة للتأكيد ، أي تأكيد اتصال الفعل بمفعوله كالتي في قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} [المائدة: 6] وفي قول النابغة:
لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا
وأصبح جد الناس يضلع عاثرا...
وقد تردد المفسرون في المعنى الذي عنى بقوله: {فَطَفِق مسْحَاً بالسُّوققِ والأعناقِ ،} فعن ابن عباس والزهري وابن كيسان وقطرب: طفق يمسح أعراف الخيل وسوقها بيده حُبًّا لها.
وهذا هو الجاري على المناسب لمقام نبيءٍ والأوفق بحقيقة المسح ولكنه يقتضي إجراء ترتيب الجمل على خلاف مقتضى الظاهر بأن يكون قوله: {رُدُّوهَا عليَّ فطفق مسحاً بالسوق والأعناق} متصلاً بقوله: {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات} أي بعد أن استعرضها وانصرفوا بها لتأوي إلى مذاودها قال: {ردُّوها عليَّ فطفق مسحاً بالسوق والأعناقِ} إكراماً لها ولحبها.
ويجعل قوله: {فقَالَ إني أحببتُ حبَّ الخيرِ عن ذِكرِ ربي حتى توارتْ بالحجابِ} معترضاً بينهما ، وإنما قدم للتعجيل بذكر ندمه على تفريطه في ذكر الله في بعض أوقات ذكره ، أي أنه لم يستغرق في الذهول بل بادر الذكرى بمجرد فوات وقت الذكر الذي اعتاده ، إذ لا يناسب أن يكون قوله: {ردوها عليَّ فطفِقَ} الخ من آثار ندمه وتحسّره على هذا التفسير ، وهذا يفيد أن فوات وقت ذكره نشأ عن ذلك الرد الذي أمر به بقوله: {ردُّها عليَّ} فإنهم اعتادوا أن يعرضوها عليه وينصرفوا وقد بَقي ما يكفي من الوقت للذكر فلما حملته بهجته بها على أن أمر بإرجاعها واشتغل بمسح أعناقها وسُوقها خرج وقت ذكره فتندّم وتحسّر.