قال أبو سعيد الخراز قدس سره زلات الأنبياء في الظاهر زلات وفي الحقيقة كرامات وزلفى ألا تَرى إلى قصة داود حين أحس بأوائل أمره كيف استغفر وتضرع ورجع ، فكان له بذلك عنده زلفى وحسن مآب صدق أبو سعيد فيما قال ؛ لأن بلاء الأنبياء والأولياء لا ينقص اصطفائيتهم بل يزيدهم شرفاً على شرفهم ، وذلك لأن مقام الخلافة مظهر الجمال والجلال ، فيتحقق تجليات الجلال بالافتتان والابتلاء.
وفي ذلك ترق له كما قال في"التأويلات النجمية": إن من شأن النبي والولي أن يحكم كل واحد منهم بين الخصوم بالحق كما ورد الشرع به بتوفيق الله وأن الواجب عليهم أن يحكموا على أنفسهم بالحق كما يحكمون على غيرهم كما قال تعالى: {كُونُوا قَواَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} (النساء: 135) .
فلما تنبه داود أنه ما حكم على نفسه بالحق كما حكم على غيره استغفر ورجع إلى ربه متضرعاً خاشعاً باكياً بقية العمر معتذراً عما جرى عليه ، فتقبل الله منه ورحم عليه وعفا عنه كما قال: {فَغَفَرْنَا لَه ذَلِكَ وَإِنَّ لَه عِندَنَا لَزُلْفَى} ؛ أي: لقربة بكل تضرع وخضوع وخشوع وبكاء وأنين وحنين وتأوه صدر منه لهذه المراجعات {وَحُسْنَ مَاَابٍ} عندنا.
انتهى.
وفي الحديث:"أوحى الله تعالى إلى داود يا داود قل للعاصين أن يسمعوني ضجيج أصواتهم ، فإني أحب أن أسمع ضجيج العاصين إذا تابوا إليّ يا داود ، لن يتضرع المتضرعون إلى من هو أكرم مني ولا يسأل السائلون أعظم مني جوداً ، وما من عبد يطيعني إلا وأنا معطيه قبل أن يسألني ومستجيب له ، قبل أن يدعوني وغافر له قبل أن يستغفرني".
وقد أنكر القاضي عياض ما نقله المؤرخون والمفسرون في هذه القصة ، وهي قولهم فيها.
ونقل عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم: أنهما قالا ما زاد داود على أن قال للرجل: انزل لي عن أمرأتك وأكفلنيها ، فعاتبه الله على ذلك ونبه عليه وأنكر عليه شغله بالدنيا.