والظاهر إبقاء لفظ النعجة على حقيقتها من كونها أنثى الضأن ، ولا يكنى بها عن المرأة ، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك لأن ذلك الإخبار كان صادراً من الملائكة ، على سبيل التصوير للمسئلة والفرض لها مرة غير تلبس بشيء منها ، فمثلوا بقصة رجل له نعجة ، ولخليطه تسع وتسعون ، فأراد صاحبه تتمة المائة ، فطمع في نعجة خليطة ، وأراد انتزاعها منه ؛ وحاجة في ذلك محاجة حريص على بلوغ مراده ، ويدل على ذلك قوله: {وإن كثيراً من الخلطاء} ، وهذا التصوير والتمثيل أبلغ في المقصود وأدل على المراد.
{قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} : ليس هذا ابتداء من داود ، عليه السلام ، إثر فراغ لفظ المدعي ، ولا فتيا بظاهر كلامه قبل ظهور ما يجب ، فقيل ذلك على تقدير ، أي لئن كان ما تقول ، {لقد ظلمك} .
وقيل: ثم محذوف ، أي فأقر المدعي عليه فقال: {لقد ظلمك} ، ولكنه لم يحك في القرآن اعتراف المدّعي عليه ، لأنه معلوم من الشرائع كلها ، إذ لا يحكم الحاكم إلا بعد إجابة المدّعى عليه.
فأما ما قاله الحليمي من أنه رأى في المدّعي مخايل الضعف والهضيمة ، فحمل أمره على أنه مظلوم ، كما تقول ، فدعاه ذلك إلى أن لا يسأل المدعى عليه ، فاستعجل بقوله: {لقد ظلمك} ، فقوله ضعيف لا يعول عليه.
وروي أن داود ، عليه السلام ، لما سمع كلام الشاكي قال للآخر: ما تقول؟ فأقر فقال له: لئن لم ترجع إلى الحق لأكسرن الذي فيه عيناك ، وقال للثاني: {لقد ظلمك} ؛ فتبسما عند ذلك وذهبا ، ولم يرهما لحينه ، ورأى أنهما ذهبا نحو السماء بمرأى منه.
وأضاف المصدر إلى المفعول ، وضمن السؤال معنى الإضافة ، أي بإضافة نعجتك على سبيل السؤال والطلب ، ولذلك عداه بإلى.
{وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض} : هذا من كلام داود ، ويدل على أن زمانه كان فيه الظلم والاعتداء كثيراً.
والخلطاء: الشركاء الذين خلطوا أموالهم ، الواحد خليط.