قصد داود بهذا الكلام الموعظة الحسنة ، والترغيب في إيثار عادة الخلطاء الصلحاء الذين حكم لهم بالقلة ، وأن يكره إليهم الظلم ، وأن يسلي المظلوم عن ما جرى عليه من خليطه ، وأن له في أكثر الخلطاء أسوة.
وقرئ: ليبغي ، بفتح الياء على تقدير حذف النون الخفيفة ، وأصله: ليبغين ، كما قال:
اضرب عنك الهموم طارقها ...
يريد: اضربن ، ويكون على تقدير قسم محذوف ذلك القسم ، وجوابه خير لأن.
وعلى قراءة الجمهور ، يكون ليبغي خبراً لأن.
وقرئ: ليبغ ، بحذف الياء كقوله:
محمد تفد نفسك كل نفس ...
أي: تفدي على أحد القولين.
و {قليل} : خبره مقدّم ، وما زائدة تفيد معنى التعظيم والتعجب ، وهم مبتدأ.
{وظنّ داود} : لما كان الظن الغالب يقارب العلم ، استعير له ، ومعناه: وعلم داود وأيقن أنا ابتليناه بمحاكمة الخصمين.
وأنكر ابن عطية مجيء الظن بمعنى اليقين.
وقال: لسنا نجده في كلام العرب ، وإنما هو توقيف بين معتقدين غلب أحدهما على الآخر ، وتوقعه العرب على العلم الذي ليس على الحواس ودلالة اليقين التام ، ولكن يخلط الناس في هذا ويقولون: ظن بمعنى أيقن ، وطول ابن عطية في ذلك بما يوقف عليه في كتابه.
وقرأ الجمهور: {فتناه} ؛ وعمر بن الخطاب ، وأبو رجاء ، والحسن: بخلاف عنه ، شد التاء والنون مبالغة ؛ والضحاك: أفتناه ، كقوله:
لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت ...
وقتادة ، وأبو عمرو في رواية ؛ يخفف التاء والنون ، والألف ضمير الخصمين.
{فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب} ، راكعاً: حال ، والخرور: الهويّ إلى الأرض.
فإما أنه عبر بالركوع عن السجود ، وإما أنه ذكر أول أحوال الخرور ، أي راكعاً ليسجد.
وقال الحسن: لأنه لا يكون ساجداً حتى يركع.
وقال الحسن بن الفضل: أخر من ركوعه ، أي سجد بعد أن كان راكعاً وقال قوم: يقال خر لمن ركع ، وإن لم ينته إلى الأرض.