فالجواب عنه أنه لا بد في الكلام من تقدير ؛ فكأنهما قالا: قدِّرنا كأننا خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ، وعلى ذلك يحمل قولهما: {إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} لأن ذلك وإن كان بصورة الخبر فالمراد إيراده على طريق التقدير لينبه داود على ما فعل ؛ والله أعلم.
الرابعة: إن قيل: لِم فزع داود وهو نبيّ ، وقد قويت نفسه بالنبوّة ، واطمأنت بالوحي ، ووثقت بما آتاه الله من المنزلة ، وأظهر على يديه من الآيات ، وكان من الشجاعة في غاية المكانة؟ قيل له: ذلك سبيل الأنبياء قبله ، لم يأمنوا القتل والأذِية ومنهما كان يخاف.
ألا ترى إلى موسى وهارون عليهما السلام كيف قالا: {إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يطغى} [طه: 45] فقال الله عز وجل:"لاَ تَخَافا".
وقالت الرسل للوط: {لاَ تَخَفْ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يصلوا إِلَيْكَ} [هود: 81] وكذا قال الملكان هنا:"لاَ تَخَفْ".
قال محمد بن إسحاق: بعث الله إليه ملكين يختصمان إليه وهو في محرابه مثلاً ضربه الله له ولأوريا فرآهما واقفين على رأسه ؛ فقال: ما أدخلكما عليّ؟ قالا: {لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ} فجئناك لتقضي بيننا.
الخامسة: قال ابن العربي: فإن قيل كيف لم يأمر بإخراجهما إذ قد علم مطلبهما ، وهلا أدّبهما وقد دخلا عليه بغير إذن؟ فالجواب عليه من أربعة أوجه: الأوّل: أنا لم نعلم كيفية شرعه في الحجاب والإذن ، فيكون الجواب بحسب تلك الأحكام ، وقد كان ذلك في ابتداء شرعنا مهملاً في هذه الأحكام ، حتى أوضحها الله تعالى بالبيان.
الثاني: أنا لو نزلنا الجواب على أحكام الحجاب ، لاحتمل أن يكون الفزع الطارئ عليه أذهله عما كان يجب في ذلك له.