ويروى أن داود كتب أن يؤمر ذلك الرجل على جملة من الرجال ، وترمى به الغارة والوجوه الصعبة من الحرب ، حتى قتل في الثالثة من نهضاته ، وكان لداود فيما روي تسع وتسعون امرأة ، فلما جاءه الكتاب بقتل من قتل في حربه ، جعل كلما سمي رجل يسترجع ويتفجع ، فلما سمي الرجل قال: كتب الموت على كل نفس ، ثم إنه خطب المرأة وتزوجها ، فكانت أم سليمان فيما روي عن قتادة فبعث الله تعالى إليه الخصم ليفتي بأن هذا ظلم. وقالت فرقة: إن هذا كله هم به داود ولم يفعله ، وإنما وقعت المعاتبة على همه بذلك. وقال آخرون: إنما الخطأ في أن لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده ، إذ كان عنده أمر المرأة.
قال القاضي أبو محمد والرواة على الأول أكثر ، وفي كتب بني إسرائيل في هذه القصة صور لا تليق. وقد حدث بها قصاص في صدر هذه الأمة ، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من حدث بما قال هؤلاء القصاص في أمر داود عليه السلام جلدته حدين لما ارتكب من حرمة من رفع الله محله.
وقوله: {خصمان} تقديره: نحن خصمان ، وهذا كقول الشاعر: [الطويل]
وقولا إذا جاوزتما أرض عامر... وجاوزتما الحيين نهداً وخثعما
نزيعان من جرم ابن زبان إنهم... أبوا أن يميروا في الهزاهز محجما
ونحوه قال العرب في مثل: محسنة فهيلي ، التقدير: أنت محسنة ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"آيبون تائبون"و: {بغى} معناه: اعتدى واستطال ، ومنه قول الشاعر: [الوافر]
ولكن الفتى حمل بن بدر... بغى والبغي مرتعه وخيم
وقوله: {فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط} إغلاظ على الحاكم واستدعاء بعدله ، وليس هذا بارتياب منه ، ومنه قول الرجل للنبي عليه السلام: فاحكم بيننا بكتاب الله.