فإن قلت: فإذا اجتمعت السورتان فيما ذكر فما وجه اختصاص كل واحدة منهما بما خصت به عن أختها من الترتيب؟ قلت: أما آية ص فوجه اختصاصها بما ورد ترتيبها عليه أنه سبحانه لما وصف كفار قريش والعرب بالاعتزاز والشقاق في قوله: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ) (ص: 2) ، ثم أعقب بذكر القرون المهلكة في قوله: (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) (ص: 3) ، ثم أعاد ذكرهم مفصلا قرنا قرنا وأمة أمة ، كان الأنسب لما قدم من ذكر عتو كفار العرب وشقاقهم ذكر أعتى القرون من الأمم وأجرمهم ، فذكر قوم نوح من حيث لم يجد عليهم نكرار الإنذار مع طول الأمد ، قال تعالى مخبرا عن طول مدتهم وبعد إجابتهم قال نوح: (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا(5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا) (نوح: 5 - 6) ، إلى قوله: (وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) (نوح: 7) ، إلى دعائه ، عليه السلام ، عليهم عند قطع رجائه منهم بقوله: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا(26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) (نوح: 26 - 27) ، إلى ما وصفهم سبحانه به وأنه لم يؤمن منهم مع نوح إلا القليل ، فوجود ما تحلت به عتاه قريش ومتمردو كفار العرب من العزة والشقاق في قوم نوح أوضح شيء ، ثم اتبع ذكرهم بدعاء عاد الموصوفين بالقوةوالطغيان القائلين: من أشد منا قوة ، والقائلين لنبيهم عليه السلام: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ) (الشعراء: 136) ، إلى قوله: (وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (الشعراء: 138) ، ثم اتبع بذكر فرعون ذي الأوتاد ، والمراد هو وآله وقومه. وقد تكرر في القرآن مع ذكر فرعون وعلوه في الأرض وطغيانه مع ما أوضح شنيع مرتكبة وبعد شقاقه ، ثم اتبع بمن ذكر بعدهم مراعي في