وانتقل كتاب الله إلى كشف الغطاء عن الخطة العدائية التي جرى عليها الطغاة المترفون كلما بعث إلى الناس نبي أو رسول، وما تواطئوا عليه من غلط كبير، ووهم خطير، إذ يظنون أن سعة أموالهم، وكثرة أولادهم هي من دلائل حظوتهم عند الله، فيأمنون مكر الله، جاهلين أن الله تعالى إنما يمهل الظالمين، وأن كيده متين، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} ، فسعة الرزق عند الغنى لا تدل على مقامه الكريم عند الله، وضيق ذات اليد عند الفقير لا يفيد هوانه على الله، ووجود الترف، لا يدل على الشرف، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .
ثم قرر كتاب الله حقيقة دينية ثابتة قام عليها الإسلام، ألا وهي أن قيمة الإنسان عند ربه تقدر بخلقه القويم، وسلوكه المستقيم، بشكل متواصل ومستديم، ولا دخل للغنى والفقر في
هذا التقويم، وذلك ما يؤكده قوله تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} ، أي: ليست الأموال والأولاد دليلا على حظوتكم عندنا وقربكم منا، إذا لم يزينها الإيمان والعمل الصالح: {إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} ، فمن أدى في أمواله حق الله، وأنفق أمواله في سبيل الله، وعلم أولاده الخير وفقههم في الدين، ورباهم على طاعة الله، كانت له الأموال والأولاد نعم الزلفى إلى الله: {فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا} ، أي: لهم الجزاء المضعف (الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف) ، (وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ، أي: آمنون من العذاب والأسقام والأحزان.