وقال ابن زيد: انصرف رجل من عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، يوم الأحزاب ، فوجد شقيقه عنده سويق ونبيذ ، فقال: أنت ها هنا ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) بين الرماح والسيوف؟ فقال: هلم إليه ، فقد أحيط بك وبصاحبك.
والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبداً ، فقال: كذبت والذي يحلف به ، ولأخبرنه بأمرك.
فذهب ليخبره ، فوجد جبريل قد نزل بهذه الآية.
وقال ابن السائب: هي في عبد الله بن أبيّ ، ومعتب بن قشير ، ومن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة.
فإذا جاءهم المنافق قالوا له: ويحك اجلس ولا تخرج ، ويكتبون إلى إخوانهم في العسكر أن ائتونا فإنا ننتظركم.
وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن يجدوا بداً من إتيانه ، فيأتون ليرى الناس وجوههم ، فإذا غفل عنهم عادوا إلى المدينة ، فنزلت.
وتقدم الكلام في {هلم} في أواخر الأنعام.
وقال الزمخشري: وهلموا إلينا ، أي قربوا أنفسكم إلينا ، قال: وهو صوت سمي به فعل متعد مثل: احضر واقرب. انتهى.
والذي عليه النحويون أن هلم ليس صوتاً ، وإنما هو مركب مختلف في أصل تركيبه ؛ فقيل: هو مركب من ها التي للتنبيه ولم ، وهو مذهب البصريين.
وقيل: من هل وأم ، والكلام على ترجيح المختار منهما مذكور في النحو.
وأما قوله: سمي به فعل متعد ، ولذلك قدر {هلم إلينا} : أي قربوا أنفسكم إلينا ؛ والنحويون: أنه متعد ولازم ؛ فالمتعدي كقوله: {قل هلم شهداءكم} أي احضروا شهداءكم ، واللازم كقوله: {هلم إلينا} ، وأقبلوا إلينا.
{ولا يأتون البأس} : أي القتال ، {إلا قليلاً} .
يخرجون مع المؤمنين ، يوهمونهم أنهم معهم ، ولا نراهم يقاتلون إلا شيئاً قليلاً إذا اضطروا إليه ، كقوله: {ما قاتلوا إلا قليلاً} .
وقلته إما لقصر زمانه ، وإما لقلة عقابه ، وإنه رياء وتلميع لا تحقيق.