وفي الحديث:"من سمى المدينة بيثرب .. فليستغفر الله، فليستغفر الله، هي طيبة، هي طيبة". وقوله - صلى الله عليه وسلم - حين أشار إلى دار الهجرة:"لا أراها إلا يثرب"ونحو ذلك من كل ما وقع في كلامه - صلى الله عليه وسلم - من تسميتها بذلك، كان قبل النهي عن ذلك، وإنما سميت طيبة؛ لطيب رائحة من مكث بها، وتزايد روائح الطيب بها, ولا يدخلها طاعون ولا دجال، ولا يكون بها مجذوم؛ لأن ترابها يشفي المجذوم، وهو كغراب، علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله، فيفسد مزاج الأعضاء وهيآتها، وربما انتهى إلى تآكل الأعضاء وسقوطها عن تقرحٍ. انتهى.
وفيه إشارة إلى حال أهل الفساد والإفساد في هذه الأمة، إلى يوم القيامة، نسأل الله تعالى أن يقيمنا على نهج الصواب، ويجعلنا من أهل التواصي بالحق، والصبر دون التزلزل والاضطراب.
وقوله: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ} معطوف على {قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ} والتعبير فيه بالمضارع لحكاية الحال الماضية أيضًا؛ أي: ويطلب جماعة منهم من النبي - صلى الله عليه وسلم - الإذن في الرجوع إلى بيوتهم، وتركهم للقتال، معتذرين بمختلف المعاذير، وجملة قوله: {يَقُولُونَ} : بدل من قوله: {يستأذن} أو حال، أو مستأنف جوابًا لسؤال مقدر، والقول الذي قالوه هو قولهم: {إِنَّ بُيُوتَنَا} ومنازلنا في المدينة {عَوْرَةٌ} ؛ أي: غير حصينة، وغير محرزة لما فيها, لأنها قصيرة الحيطان، وفي أطراف المدينة، فيخشى عليها من السراق، وأصل العورة في اللغة: الخلل في البناء ونحوه، بحيث يمكن دخول السارق فيها، كما سيأتي.
والمعنى: أنها غير حصينة متخرقة، ممكنة لمن أرادها، فأذن لنا حتى نحصنها ثم نرجع إلى العسكر، وكان عليه السلام يأذن لهم، وفي الحقيقة أنهم كاذبون فيما يقولون، وهم مضمرون غير ذلك، ثم رد الله عليهم بقوله: {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ} ؛ أي: والحال أن بيوتهم ليست بضائعةٍ، يخشى عليها السراق، بل هي حصينة محرزة.