نلحظ هنا أن الحق سبحانه ذكر المكذبين ، إلا في قصة موسى فذكر المكذَّب ، فلم يَقُل: وقوم موسى بل قال: وكُذِّب موسى ، لماذا؟ قالوا: لأن مهمته كانت أصعب حيث تعرَّض في دعوته لمنِ ادَّعى الألوهية ذاتها .
وقوله تعالى: {فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ . .} [الحج: 44] أمليت: أمهلْتُ حتى ظنوه إهمالاً ، وهو إمهال بأنْ يمدّ الله لهم ، ويطيل في مدتهم ، لا إكراماً لهم ، ولكن ليأخذهم بعد هذا أخْذ عزيز مقتدر ، وفي آية أخرى يُوضِّح لنا هذه البرقية المختصرة ، فيقول سبحانه: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً . .} [آل عمران: 178]
وفي هذا المعنى يقول أيضاً: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 55] .
إذن: لا تغتر بما في أيديهم ؛ لأنه فتنة ، حتى إذا أخذهم الله كانت حسرتهم أكبر ، فمن عُدم هذه النعم لا يتعلق قلبه بها ، ولا يألَم لفقدها .
وقد حدث شيء من هذا في أيام سعد زغلول ، وكان أحد معارضيه يشتمه ويتطاول عليه ، لكن فوجئ الجميع بأنه يُولِّيه منصباً مرموقاً في القاهرة ، فتعجّب الناس وسألوه في ذلك فقال: نعم ، وضعته في هذا المنصب ليعرف العلو والمنزلة حتى يتحسَّر عليها حين تُسْلَب منه ، وتكون أنكى له . يعني: يرفعه إلى أعلى حتى يهوي على رقبته ، لأنه ما فائدة أن توقعه من على الحصيرة مثلا ً؟!!
ثم يقول تعالى: {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [الحج: 44] الحق سبحانه يُلقِي الخبر في صورة استفهام لتقول أنت ما حدث وتشهد به .
والمراد: أعاقبناهم بما يستحقون؟