في السُنَّة العملية أدلة قاطعة على صلمية العلاقة بين المسلمين وغيرهم. وقد تقدم شأن المعاهدات التي عقدها النبي - صلى الله عليه وسلم - مع اليهود وكل طوائفهم عقب الهجرة مباشرة ، وفي أواخر حياته - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك عقد معاهدات صلح مع كل من صاحب أيلة يحنة بن روبة ، وأهل جرباء وأهل أذرح ، وأكيدر دومة الجندل مع أنه كان وثنياً يعبد البقر ، ومع نصارى نجران ، كل هؤلاء وغيرهم عقد معهم معاهدات صلح مع إقرارهم على عقائدهم ، وكان المسلمون أوفى الأطراف بالعهود والعقود ، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ....} .
ومعنى كل ما تقدم أن الكفر ليس سبباً في قتال المسلمين لأعدائهم بل لابد من انضمام سبب آخر يوجبه غير الكفر ، فقتال المسلمين لليهود لم يكن سببه البقاء على اليهودية ، بل لأن اليهود نقضوا عهودهم مع المسلمين وتآمروا على الإسلام ، وحاولوا قتل صاحب الرسالة عن طريق السم مرة ، وطريق الغدر الآثم مرة أخرى ، وظاهروا أعداء الإسلام من المشركين والمنافقين على الاعتداء على المسلمين.
وحروب المسلمين مع نصارى العرب والروم لم يكن سببه هو النصرانية ولكن الروم عزموا عزماً قوياً على مداهمة المدينة عاصمة الإسلام في ذلك الوقت ، وتأكد المسلمون بقيادة صاحب الدعوة من هذه المؤامرة فخرج إليهم - صلى الله عليه وسلم - في جيش العُسْرة في غزوة تبوك قبل أن ينفذوا مخططهم الذي أبرموه في الخفاء.
وهكذا كان لكل قتال وقع بين المسلمين وغيرهم في عصر النبوة الذي قصرنا هذه الدراسة عليه ، سبب غير الكفر أياً كان نوعه. وفي هذا كله أقطع الأدلة على أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هي السلام لا الحرب. وأن قتال المسلمين لغيرهم كان سببه"المحاربة"من غير المسلمين للمسلمين ، وليس سببه الكفر المجرد كما يذهب من قال إن العلاقة بين المسلمين وغيرهم هي علاقة الحرب لا علاقة السلام.