فالكون كله ناقم على الكافرين ، متمرد على العصاة ، مغتاظ منهم ، فماذا قال الحق - تبارك وتعالى - لهم؟ قال سبحانه:"دعوني وخَلْقي ، لو خلقتموهم لرحمتموهم ، فإنْ تابوا إليَّ ، فأنا حبيبهم ، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم".
نعود إلى قوله تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ . .} [الحج: 40] وما دام أن النصر من عند الله فإياكم أنْ تبحثوا في القوة أو تقيسوا قوتكم بقوة عدوكم ، فلربك عز وجل جنود لا يعلمها إلا هو ، ووسائل النصر وأنت في حضانة الله كثيرة تأتيك من حيث لا تحتسب وبأهْون الأسباب ، أقلّها أن الله يُريكم أعداءكم قليلاً ويُكثِّر المؤمنين في أعين الكافرين ليفتَّ ذلك في عَضُدهم ويُرهبهم ويُزعزع معنوياتهم ، وقد يحدث العكس ، فيرى الكفار المؤمنين قليلاً فيجترئون عليهم ، ويتقدمون ، ثم تفاجئهم الحقيقة .
إذن: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ . .} [المدثر: 31] فلا تُعوِّل فقط على قوتك وتحسب مدى تكافُئِك مع عدوك ، دَعْكَ من هذه الحسابات ، وما عليك إلا أنْ تستنفد وسائلك وأسبابك ، ثم تدع المجال لأسباب السماء .
وأقلُّ جنود ربك أنْ يُلقي الرعب في قلوب أعدائك ، وهذه وحدها كافية ، ويُرْوى أنهم في إحدى المعارك الإسلامية تغيرت رائحة أفواه المسلمين ، وأحسُّوا فيها بالمرارة لطول فترة القتال ، فأخرجوا السواك يُنظفِّون أسنانهم ، ويُطيِّبون أفواههم ، عندها قال الكفار: إنهم يسنُّون أسنانهم ليأكلونا ، وقذف الله في قلوبهم الرعب من حيث لا يدرون .
ثم يقول تعالى: {إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40] عزيز: يعني لا يُغلب ، وما دام أن الله تعالى ينصر مَنْ نصره فلا بُدَّ أن تنتهي المعركة بالنصر مهما خارتْ القوى ومهما ضَعُفتْ ، ألم يكُن المسلمون في مكة ضعفاء مضطهدين ، لا يستطيع واحد منهم أن يرفع رأسه بين الكفار؟