فقوله تعالى: {إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين آمنوا . .} [الحج: 38] أمر طبيعي ؛ لأن الحق سبحانه ما كان ليُرسِل رسولاً ، ويتركه لأهل الباطل يتغلَّبون عليه ، وإلاّ فما جَدْوى الرسالة إذن ؛ لذلك يُطمئِن الله تعالى رسوله ويُبشِّره ، فيقول: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين * إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [الصافات: 171 - 173] .
وقال: {وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ . .} [الحج: 40] .
وقال: {إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] .
فهذه كلها آيات تُطمئِن المؤمنين وتُبشِّرهم ، وقد جاءتْ على مراحل لحكمة أرادها الحق سبحانه ، فمنعهم عن القتال في البداية لحكمة ، ثم جعل القتال فيما بينهم ، وقبْل أنْ يأذنَ لهم في قتال أعدائهم لحكمة: هي أنْ يَبْلوا المؤمنين ويُمحِّصهم ليُخرِج من صفوفهم أهل الخَوَر والجُبْن ، وضعيفي الإيمان الذين يعبدون الله على حَرْف ، ولا يبقى بعد ذلك إلا قويُّ الإيمان ثابتُ العقيدة ، الذي يحمل راية هذا الدين وينسَاح بها في بقاع الأرض ؛ لأنها دعوة عالمية لكل زمان ولكل مكان إلى أنْ تقوم الساعة ، ولما كانت هذه الدعوة بهذه المنزلة كان لا بُدَّ لها من رجال أقوياء يحملونها ، وإلا لو استطاع الأعداءُ القضاءَ عليها فلن تقومَ لدين الله قائمة .
إذن: كان لا بُدَّ أن يُصفِّي الحقُ سبحانه أهلَ الإيمان كما يُصفِّي الصائغُ الذهبَ ، ويُخرِج خَبَثه حين يضعه في النار ، كذلك كانت الفِتَن والابتلاءات لتصفية أهل الإيمان وتمييزهم ، لكن بالقتال في صَفٍّ واحد .
ثم يقول سبحانه: {إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج: 38] فكأن الحق - سبحانه وتعالى - أصبح طرفاً في المعركة ، والخوَّان: صيغة مبالغة من خائن ، وهو كثير الخيانة وكذلك كفور: صيغة مبالغة من كافر .