وهذا ناسخ لكل ما في القرآن من إعراض وترك صفح.
وهي أوّل آية نزلت في القتال.
قال ابن عباس وابن جبير: نزلت عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
وروى النَّسائيّ والترمذيّ عن ابن عباس قال:
لما أخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيّهم ليهلِكنّ ؛ فأنزل الله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} فقال أبو بكر: لقد علمت أنه سيكون قتال.
فقال: هذا حديث حسن.
وقد روى غير واحد عن سفيان عن الأعمش عن مسلم البَطِين عن سعيد بن جُبير مرسلاً ، وليس فيه: عن ابن عباس.
الثانية: في هذه الآية دليل على أن الإباحة من الشرع ، خلافاً للمعتزلة ؛ لأن قوله:"أذِن"معناه أبيح ؛ وهو لفظ موضوع في اللغة لإباحة كل ممنوع.
وقد تقدّم هذا المعنى في"البقرة"وغير موضع.
وقرئ"أَذن"بفتح الهمزة ؛ أي أذن الله.
"يُقاتِلون"بكسر التاء أي يقاتلون عدوّهم.
وقرئ"يُقاتَلون"بفتح التاء ؛ أي يقاتلهم المشركون وهم المؤمنون.
ولهذا قال:"بِأنهم ظلِموا"أي أخرجوا من ديارهم.
{الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ}
فيه ثمان مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم} هذا أحد ما ظلِموا به ؛ وإنما أخرجوا لقولهم: ربنا الله وحده.
فقوله: {إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله} استثناء منقطع ؛ أي لكن لقولهم ربنا الله ؛ قاله سيبويه.
وقال الفراء يجوز أن تكون في موضع خفض ، يقدرها مردودة على الباء ؛ وهو قول أبي إسحاق الزجاج ، والمعنى عنده: الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا بأن يقولوا ربنا الله ؛ أي أخرجوا بتوحيدهم ، أخرجهم أهل الأوثان.
و {الذين أُخْرِجُواْ} في موضع خفض بدلاً من قوله: {لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} .