وإذا علمت أن من حكم الأذان في الناس بالحج ، ليأتوا مشاة ، وركباناً تقربم إلى ربهم بدماء الأنعام ، ذاكرين عليها اسم الله عند تذكيتها ، وأن الآية أقرب إلى إرادة الهدي من إرادة الأضحية ، فدونك تفصيل أحكام الهدايا التي دعوا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم منها.
اعلم أولاً: أن الهدي قسمان: هدي واجب ، وهدي غير واجب بل تطوع به صاحبه تقرباً لله تعالى ، والأيام المعلومات التي ذكر الله عز وجل أنه يذبح فيها ، ويذكر عليه اسم الله فيها ، للعلماء فيها أقوال كثيرة. والتحقيق إن شاء الله تعالى: أن غير اثنين من تلك الأقوال الكثيرة باطل لا يعول عليه ، وأن المعول عليه منها اثنان ، لأن القرآن دل على أن الأيام المعلومات: هي أيام النحر ، بدليل قوله: {وَيَذْكُرُواْ اسم الله في أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ على مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأنعام} وذكرهم الله عليها يعني: التسمية عند تذكيتها. فاتضح أنها أيام النحر ، والقولان المعول عليهما دون سائر الأقوال الأخرى أحدهما: أنها يوم النحر: ويومان بعده ، وعليه فلا يذبح الهدي ، ولا الأضحية في اليوم الأخير من أيام منى ، الذي هو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة.
قال ابن قدامة في المغني: وهذا القول نص عليه أحمد وقال: وهو عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورواه الأثرم عن ابن عمر وابن عباس ، وبه قال مالك والثوري ، ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: أيام النحر: يوم الأضحى ، وثلاثة أيام بعده.
وبه قال الحسن ، وعطاء ، والأوزاعي ، والشافعي ، وابن المنذر. انتهى محل الغرض منه.
وقال أبو عبدالله القرطبي في تفسير هذه الآية: اختلفوا كم أيام النحر. فقال مالك: ثلاثة ، يوم النحر ويومان بعده ، وبه قال أبو حنيفة ، والثوري ، وأحمد بن حنبل. وروي ذلك عن أبي هريرة ، وأنس بن مالك ، من غير اختلاف عنهما.