وقد بينت الأحاديث الصحيحة كيفية إفاضته من عرفات ، ففي حديث جابر الطويل عند مسلم"فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص. وأردف أسامة خلفه. ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزِّمام. حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله. ويقول بيده اليمنى"أيها الناس! السكينة السكينة"كلما أَتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً. حتى تصعد. حتى أتى المزدلفة. فصلى بها المغرب والعشاء"الحديث ، وقول جابر في هذا الحديث: وقد شنق للقصواء الزمام ، يعني أنه يكفها بزمامها عن شدة المشي ، والمورك بفتح الميم وكسر الراء: هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل ، إذا مل من الركوب. وضبطه القاضي عياض بفتح الراء قال: وهو قطعة أدم يتورك عليها الراكب ، تجعل في مقدمة الرحل ، شبه المخدة الصغيرة ، وقوله: ويقول بيده السكينة السكينة: أي يأمرهم بالسكينة مشيراً بيده ، والسكينة: الرفق والطمأنينة ، وقول جابر في هذا الحديث: كلما أتى حبلاً من الحبال: هو بالحاء المهملة ، والباء الموحدة ، والمراد بالحبل في حديثه: الرمل المستطيل المرتفع ، ومنه قول ذي الرمة:
ويوماً بذي الأرطى إلى جنب مشرف... بوعسائه حيث اسبطرت حبالها
وقول عمر بن أبي ربيعة:
يا ليتني قد أجزت الحبل نحوكم... حبل المعرف أو جاوزت ذا عشر
وحديث جابر هذا الدال على الرفق ، وعدم الإسراع ، وما جاء في معناه من الأحاديث يفسره حديث أسامة الثابت في الصحيحين"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير العنق فإذا وجد فجوة نص"والعنق بفتحتين: ضرب من السير دون النص ، ومنه قول الراجز:
يا ناق سيري عنقاً فسيحاً... إلى سليمانَ فنستريحا
والنص: أعلى غاية الإسراع ، ومنه قول كثير:
حلفت برب الراقصات إلى منًى... يجوب الفيافي نصها وذميلها