وأن أقوى الأقوال دليلاً: هو أن كل ما يطلق عليه اسم السفر لغة تقصر فيه الصلاة كما أوضحنا ذلك بأدلته في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة} [النساء: 101] الآية.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد ما نصه: فلما أتمها يعني الخطبة ، يوم عرفة ، أمر بلالاً ، فأذن ، ثم أقام فصلى الظهر ركعتين ، أسر فيهما بالقراءة ، وكان يوم الجمعة. فدل على أن المسافر لا يصلي جمعة ، ثم أقام ، فصلى العصر ركعتين أيضاً ، ومعه أهل مكة وصلوا بصلاته قصراً وجمعاً بلا ريب ، ولم يأمرهم بالإتمام ، ولا بترك الجمع ، ومن قال إنه قال لهم"أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر"فقد غلط عليه غلطاً بيناً ، ووهم وهماً قبيحاً ، وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة ، حيث كانوا في ديارهم مقيمين ، ولهذا كان أصح أقوال العلماء أن أهل مكة يقصرون ، ويجمعون بعرفة ، كما فعلوا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا أوضح دليل على أن سفر القصر لا يتحدد بمسافة معلومة ، ولا بأيام معلومة ، ولا تأثير للنسك في قصر الصلاة ألبتة ، وإنما التأثير لما جعله الله سبباً ، وهو السفر. هذا مقتضى السنة ولا وجه لما ذهب إليه الملحدون. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.
وقد قدمنا قول من قال: إن القصر والجمع المذكور ، لأهل مكة من أجل النسك ، والعلم عند الله تعالى.
ولا يخفى أن حجة من قالوا: بإتمام أهل مكة صلاتهم في عرفة ومزدلفة ومنى ، هو ما قدمنا من تحديدهم للمسافة بأربعة برد أو ثلاثة أيام. وعرفة ومزدلفة ومنى أقل مسافة من ذلك ، قالوا: ومن سافر دون مسافة القصر أتم صلاته ، هذا هو دليلهم.