الثالثة: قوله تعالى: {الذي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} أي للصلاة والطواف والعبادة ؛ وهو كقوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 96] .
{سَوَآءً العاكف فِيهِ والباد} العاكف: المقيم الملازم.
والبادِي: أهل البادية ومن يَقْدَم عليهم.
يقول: سواء في تعظيم حرمته وقضاء النّسك فيه الحاضرُ والذي يأتيه من البلاد ؛ فليس أهل مكة أحقّ من النازح إليه.
وقيل: إن المساواة إنما هي في دُوره ومنازله ، ليس المقيم فيها أولى من الطارئ عليها.
وهذا على أن المسجد الحرام الحَرَم كله ؛ وهذا قول مجاهد ومالك ، رواه عنه ابن القاسم.
ورُوي عن عمر وابن عباس وجماعة أن القادم له النزول حيث وُجِد ، وعلى رب المنزل أن يؤوِيَه شاء أو أبى.
وقال ذلك سفيان الثورِيّ وغيره.
وكذلك كان الأمر في الصدر الأوّل ، كانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة ؛ فاتخذ رجل باباً فأنكر عليه عمر وقال: أتغلق باباً في وجه حاج بيت الله؟ فقال: إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة ؛ فتركه فاتخذ الناس الأبواب.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضاً أنه كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة ، حتى يدخلها الذي يقدم فينزل حيث شاء ، وكانت الفساطيط تضرب في الدور.
وروي عن مالك أن الدور ليست كالمسجد ولأهلها الامتناع منها والاستبداد ؛ وهذا هو العمل اليوم.
وقال بهذا جمهور من الأمة.
وهذا الخلاف يُبْنَى على أصلين: أحدهما أن دور مكة هل هي ملك لأربابها أم للناس.
وللخلاف سببان: أحدهما هل فتح مكة كان عَنْوَة فتكون مغنومة ، لكن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقسمها وأقرها لأهلها ولمن جاء بعدهم ؛ كما فعل عمر رضي الله عنه بأرض السَّواد وعفا لهم عن الخراج كما عفا عن سَبْيِهم واسترقاقهم إحساناً إليهم دون سائر الكفار فتبقى على ذلك لا تُباع ولا تُكْرَى ، ومن سبق إلى موضع كان أولى به.
وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعيّ.