إن البعث إعادة لحياة كانت ، فهو في تقدير البشر أيسر من إنشاء الحياة. وإن لم يكن بالقياس إلى قدرة الله شيء أيسر ولا شيء أصعب. فالبدء كالإعادة أثر لتوجه الإرادة: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} ولكن القرآن يأخذ البشر بمقاييسهم ، ومنطقهم ، وإدراكهم ، فيوجه قلوبهم إلى تدبر المشهود المعهود لهم ، وهو يقع لهم كل لحظة ، ويمر بهم في كل برهة ؛ وهو من الخوارق لو تدبروه بالعين البصيرة ، والقلب المفتوح ، والحس المدرك. ولكنهم يمرون به أو يمر بهم دون وعي ولا انتباه.
فما هؤلاء الناس؟ ما هم؟ من أين جاءوا؟ وكيف كانوا؟ وفي أي الأطوار مروا؟
{فإنا خلقناكم من تراب} .. والإنسان ابن هذه الأرض. ومن ترابها نشأ ، ومن ترابها تكوّن ، ومن ترابها عاش. وما في جسمه من عنصر إلا له نظيره في عناصر أمة الأرض. اللهم إلا ذلك السر اللطيف الذي أودعه الله إياه ونفخه فيه من روحه ؛ وبه افتراق عن عناصر ذلك التراب. ولكنه أصلاً من التراب عنصراً وهيكلاً وغذاء. وكل عناصره المحسوسة من ذلك التراب.
ولكن أين التراب وأين الإنسان؟ أين تلك الذرات الأولية الساذجة من ذلك الخلق السوي المركب ، الفاعل المستجيب ، المؤثر المتأثر ، الذي يضع قدميه على الأرض ويرف بقلبه إلى السماء ؛ ويخلق بفكره فيما وراء المادة كلها ومنها ذلك التراب..
إنها نقلة ضخمة بعيدة الأغوار والآماد ، تشهد بالقدرة التي لا يعجزها البعث ، وهي أنشأت ذلك الخلق من تراب!
{ثم من نطفة. ثم من علقة. ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً...} .