ثم علل سبحانه النهي عن العمل بما ليس بعلم بقوله (إن السمع والبصر والفؤاد) أي القلب (كل أولئك) أي كل واحد من الحواس الثلاثة وأجريت مجرى العقلاء لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على أصحابها.
وقال الزجاج: أن العرب تعبر عما لا يعقل وعما يعقل بأولئك والضمير في (كان) يرجع إلى كل وكذا الضمير في (عنه) وقيل الضمير في كان يعود إلى القافي المدلول عليه بقوله لا تقف وقوله عنه في محل رفع لإسناد (مسؤولاً) إليه ورد بما حكاه النحاس من الإجماع على عدم جواز تقديم القائم مقام
الفاعل إذا كان جاراً ومجروراً.
قيل والأولى أن يقال أنه فاعل مسؤول المحذوف والمذكور مفسر له ومعنى سؤال هذه الجوارح أنه يسأل صاحبها عما استعملها فيه لأنها آلات والمستعمل لها هو الروح الإنساني فإن استعملها في الخير استحق الثواب وأن استعملها في الشر استحق العقاب وهو اختيار الزمخشري، وقيل أن الله سبحانه يُنطق الأعضاء هذه عند سؤالها فتخبر عما فعله صاحبها وعليه جرى القاضي فتسأل توبيخاً لأصحابها وهذا أبلغ مما قبله. وفي الآية دليل على أن العبد مؤاخذ بعزمه على المعصية.
(ولا تمش في الأرض مرحاً) قيل وهو شدة الفرح، وقيل التكبر في المشي وقيل تجاوز الإنسان قدره وقيل الخيلاء في المشي، وقيل البطر والأشر؛ وقيل النشاط والظاهر أن المراد به الخيلاء والفخر، قال الزجاج في تفسير الآية: لا تمش في الأرض مختالاً فخوراً، وذكر الأرض مع أن المشي لا يكون إلا عليها أو على ما هو معتمد عليها تأكيداً وتقريراً ولقد أحسن من قال:
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعاً ... فكم تحتها قوم هم منك أرفع
وإن كنت في عز وحرز ومنعة ... فكم مات من قوم هم منك أمنع
والمرح مصدر وقع حالاً أي ذا مرح أي مارحاً متلبساً بالكبر والخيلاء وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع تأكيد وقرئ مرحاً بفتح الراء ومرحاً بكسرها على أنه اسم فاعل.