يقول تعالى: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ..} [الكهف: 51] أي: لم يكن معي أحد حين خلقتُ السماء والأرض ، وخلقتُ الإنسان ، ما شهدني أحد لِيَصِفَ لكم ما حدث {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} [الكهف: 51] أي: ما اتخذت من هؤلاء المضللين مُساعِداً أو مُعاوِناً ، وكأن الحق سبحانه يقول لنا: احكموا على كل مَنْ يخوض في قضية الخَلْق هذه بأنه مُضلّل فلا تستمعوا إليه.
ولكي تُريحوا أنفسكم من مثل هذه القضايا لا تُحمِّلوا العقل أكثر مما يحتمل ، ولا تعطوه فوق مقومات وظائفه ، وجَدْوى العقل حينما ينضبط في الماديات المعملية ، أما إنْ جنح بنا فلا نجني من ورائه إلا الحُمْق والتخاريف التي لا تُجدي.
وكلمة"العقل"نفسها من العقال الذي يمنع شرود البعير ، وكذلك العقل جعله الله ليضبط تفكيرك ، ويمنعك من الجموح أو الانحراف في التفكير.
وأيضاً ، فالعقل وسيلة الإدراك ، مثله مثل العين التي هي وسيلة الرؤية ، والأذن التي هي وسيلة السمع.. وما دام العقل آلة من آلات الإدراك فله حدود ، كما أن للعين حدوداً في الرؤية ، وللأذن حدوداً في السمع ، فللعقل حدود في التفكير أيضاً حتى لا يشطح بك ، فعليك أنْ تضبط العقل في المجال الذي تُجوِّد فيه فقط ، ولا تُطلق له العنان في كُلِّ القضايا.
ومن هنا تعب الفلاسفة وأتعبوا الدنيا معهم ؛ لأنهم خاضوا في قضايا فوق نطاق العقل ، وأنا أتحدى أي مدرسة من مدارس الفلسفة من أول فلاسفة اليونان أن يكونوا متفقين على قضية إلا قضية واحدة ، وهي أن يبحثوا فيما وراء المادة ، فَمنِ الذي أخبرك أن وراء المادة شيئاً يجب أن يُبحث؟