لقد اهتديتُم بفطرتكم الإيمانية إلى وجود خالق لهذا الكون ، فليس الكون وليد صدفة كما يقول البعض ، بل له خالق هو الغيبيات التي تبحثون عنها ، وتَرْمَحُون بعقولكم خلفها ، في حين كان من الواجب عليكم أنْ تقولوا: إن ما وراء المادة هو الذي يُبين لنا نفسه.
لقد ضربنا مثلاً لذلك - ولله المثل الأعلى - وقلنا: هَبْ أننا في مكان مغلق ، وسمعنا طَرْق الباب - فكلنا نتفق في التعقُّل أن طارقاً بالباب ، ولكن منا مَنْ يتصور أنه رجل ، ومنا مَنْ يتصوّر أنه امرأة ، وآخر يقول: بل هو طفل صغير ، وكذلك منا مَنْ يرى أنه نذير ، وآخر يرى أنه بشير. إذن: لقد اتفقنا جميعاً في التعقُّل ، ولكن اختلفنا في التصوُّر.
فلو أن الفلاسفة وقفوا عند مرحلة التعقُّل في أن وراء المادة شيئاً ، وتركوا لمن وراء المادة أنْ يُظهر لهم عن نفسه لأراحوا واستراحوا ، كما أننا لو قُلْنا للطارق: مَنْ؟ لقال: أنا فلان ، وجئت لكذا ، وانتهتْ المسألة.
ولقد رَدَّ عليهم القرآن إنكارهم للبعث وقولهم: {أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} [الإسراء: 49]
بقوله تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [يونس: 34]
وبقوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَآءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104]
وبقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ..} [الروم: 27] فإعادة الشيء أهون من خَلْقه أَوّلاً.