قول ابن كثير: (أفّ ولا) الفاء فيه مبني على الفتح ، لأنه وإن كان في الأصل مصدرا في قولهم: أفة وتفة ، يراد بها: نتنا وذفرا ، قد سمّي الفعل به فبني ، وهذا في البناء على الفتح كقولهم: «سرعان ذي إهالة» كما صار اسما لسرع ، وكذلك أفّ ، لما كان اسما لأتكره وأتفجّر ونحو ذلك ، ومثل سرعان قولهم: وشكان ذلك ، وأنشد أبو زيد:
لو شكان لو غنيتم وشمتم ... بإخوانكم والعزّ لم يتجمّع
ومثل ذلك قولهم: رويد ، في أنه سمّي به الفعل فبني ولم يلحق
التنوين ، إلا أن هذا في الأمر والنهي ، وأفّ في الخبر . وقال:
رويد عليّا جدّ ما ثدي أمّهم ... إلينا ولكن بغضهم متماين
وقول نافع: أف ولا فإنه في البناء على الكسر مع التنوين مثل (أفّ) في البناء على الفتح ، إلا أنه بدخول التنوين دل على التنكير مثل إيه ، وصه ، ومثله قولهم: فداء لك ، فبنوه على الكسر وإن كان في الأصل مصدرا ، كما كان أفة في الأصل كذلك ، ومن قال: أفّ ، ولم ينون جعله معرفة فلم ينوّن ، كما أن من قال: صه وغاق فلم ينوّن أراد به المعرفة ، فإن قلت: ما موضع أفّ في هذه اللغات بعد القول ، هل يكون موضعه نصبا كما ينتصب المفرد بعده ، أو كما تكون الجمل ؛ فالقول إن موضعه موضع الجمل ، كما أنك لو قلت: رويد ، لكان موضعه موضع الجمل ، وكذلك لو قلت: فدا .
قال أبو الحسن: وقول الذين قالوا: أفّ أكثر وأجود ، ولو جاء أفّ لك ، وأفّا لك ، لاحتمل أمرين: أحدهما أن يكون الذي صار اسما للفعل ، لحقه التنوين لعلامة التنكير . والآخر: أن يكون نصبا معربا ، وكذلك الضم ، فإن لم يكن معه لك كان ضعيفا ، ألا ترى أنك لا تقول: ويل حتى توصل به: لك ، فيكون في موضع الخبر .
[الإسراء: 23]
اختلفوا في التوحيد والتثنية من قوله عز وجل: إما يبلغن عندك [الإسراء / 23] .
فقرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وعاصم وابن عامر: (إمّا يبلغن عندك) على واحد . وقرأ حمزة والكسائي: (يبلغان) .