قال تعالى منزها نفسه المنزهة بنفسه"سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ"من نسبة آلهة معه أو أولاد وصاحبة وعلا"عُلُوًّا كَبِيراً"43 لا غاية وراءه ، وذكر العلو بعد وصفه سبحانه بذي العرش في أعلى مراتب البلاغة ، وهذا مبالغة في البراءة والبعد عمّا وصفوه به لأنه تعالى في قصى غايات الوجود وهو الوجوب الذاتي وما يقولونه في أدنى مراتب العدم وهو الامتناع الذاتي ، كيف لا وهو الذي"تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ"من الإنس والجن والملائكة والطير والوحش والحيتان والنّبات والجماد بدليل قوله"وَإِنْ مِنْ شَيْ ءٍ"ولا من ذرّة يطلق عليها اسم الشيء ويمتد عليها ظل الوجود فيهن إلا يسبح بحمده منهم بلسان قاله ، ومنهم بلسان حاله ، لأن كل شيء يدل بإمكانه وحدوثه دلالة واضحة على وجوب وجوده تعالى ووحدته وقدرته وتنزهه من لوازم الإمكان وتوابع الحدوث ، كما يدل الأثر على مؤثره"وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ"أيها الناس وأنتم منهكون في الغي والضلال"تَسْبِيحَهُمْ"لأنكم لا يفهم بعضكم لغات بعض فكيف تفهمون لغات ما هو من غير جنسكم"إِنَّهُ"جلت عظمته"كانَ"ولم يزل بعدم معاجلتكم بالعقوبة عما يصدر منكم من القبائح"حَلِيماً"لا يستفزّه الغضب فيمهل خلقه رحمة بهم ورأفة عليهم"غَفُوراً"44 كثير المغفرة لعباده الرّاجين عفوه الراجعين إليه ، ولو لا هاتان الصفتان لأنزل بكم العذاب حالا واستأصلكم به.
وليعلم أن عدم فقه تسبيح الحيوانات وغيرها ناشئ من عدم صقل القلوب من رين الذنوب ، وقصور النظر فيما يدل على علام الغيوب ، وإلا فقد وردت أحاديث وأخبار لا تقبل التأويل بتسبيح الحصى في كفه صلّى اللّه عليه وسلم ، روى مسلم عن جابر بن سمرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال: إن بمكة حجرا كان يسلّم علي ليالي بعثت ، وإني لأعرفه الآن.