وليعلم أن أكل مال اليتيم من الكبائر بدليل الوعيد فيه المار ذكره أعلاه قليلا كان المأكول أو كثيرا فلا يتقيد بمقدار نصاب السرقة المستوجبة للقطع ، لأن الآيات والأحاديث الواردة في النهي عنه جاءت مطلقة عامة لم تقيد بقليل أو كثير ولم تخصص أيضا ، ولا يجوز قيدها وتخصيصها إلا بدليل سمعي ، ولا يوجد ، لذلك فإن مرتكب أكل مال اليتيم مهما كان قليلا يستحق العذاب والوعيد المترتب عليه ، اللهم إلا التافه الذي يتسامح فيه عادة كشربة ماء وحبّة فاكهة ملقاة في الأرض أو ذوق الطعام لمعرفة نضجه وطعمه ، وقد توصل في هذا الزمان والعياذ باللّه بعض القضاء المكلفين بحفظه إلى أكله بوسيلة حفظه وتنميته ، عاملهم اللّه بعدله وأذاق الخائن منهم جزاء أكله ، وللّه در القائل في أمثالهم:
قضاة زماننا أضحوا لصوصا عموما في البرايا لا خصوصا
أباحوا أكل أموال اليتامى كأنهمو رأوا فيها نصوصا
فدعنا يا أخي من أناس باعوا دينهم بيعا رخيصا
قال تعالى"وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ"الذي عاهدتم اللّه عليه أزلا يوم أخذه عليكم في عالم الذّر من التزام أوامره واجتناب نواهيه ، وما عاهدتم عليه الناس من أقوال وأفعال ، وكل ما التزمتم به أنفسكم للغير وكلفكم به اللّه في هذه الدنيا ، والوفاء بالعهد هو القيام به والعمل بمقتضاه والمحافظة عليه وعدم نقضه ، لأنه الغدر بعينه"إِنَّ الْعَهْدَ"وضع جل شأنه الظاهر موضع المضمر لكمال الاعتناء ، وإلا لقال"إنه"لأن الضمير يعود على العهد المذكور قبله"كانَ مَسْؤُلًا"34 عنه في الدنيا ومكلف بالقيام به ومؤاخذ عليه في الدنيا والآخرة ، وتقدم كيفية أخذ العهد من قبل اللّه في الآية 172 من سورة الأعراف المارة.