واعلم أن التبذير هو كل إنفاق بغير محله كما علمت مما مرّ عليك ، وأصله في اللغة التفريق مأخوذ من إلقاء البذر في الأرض كيفما كان من غير تعهد لمواقعه ، وشرعا إنفاق المال في غير حقّه مما هو تجاوز في موقع الحق وجهل بكيفيته ، أما الإسراف فهو التجاوز في الكمية وجهل بمقدار الحق ، وكلاهما مذموم ، قال مجاهد لو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا.
وقد أنفق بعض المحققيين نفقة في خير فأكثر ، فقال له صاحبه لا خير في السّرف ، فأجابه كثر اللّه أحبابه: لا سرف في الخير ، وهذا صحيح إذا كان في أهله وعن غنّى ويحسن نية.
قال تعالى"وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ"أيها الغني القريب"عَنْهُمُ"عن أقاربك الفقراء المحتاجين العاجزين والمساكين المعدمين والفقراء وأبناء السبيل المقطوعين لضيق ذات يدك أو لأمر أخطرك فأوجب إغضاءك عنهم حياء وكان ذلك منك"ابْتِغاءَ"طلب ورجاء"رَحْمَةٍ"رزق"مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها"تتوقعها وتترقب حصولها ومجيئها لتعطيهم منها"فَقُلْ لَهُمْ"عند ما تريد انصرافهم أو ردهم"قَوْلًا"جميلا لا تأنيب فيه عليهم ولا كسر لخواطرهم"مَيْسُوراً"28 لينا وعدهم وعدا تطيب به خواطرهم كأن تقول لهم إن لنا مالا سيحضر أو دينا سنقبضه قريبا ونخصكم به ، وادع لهم بما فيه اليسر لك ولهم ، وتقدم معنى أمّا بالآية 23 المارة ، وأنث الضمير في ترجوها باعتبار اللفظ لأنه سمّى الرزق رحمة وهو يعود إليها ووضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له فكان الفقد سببا للابتغاء مسبّب عنه فوقع السبب الذي هو الابتغاء موضع المسبب الذي هو الفقد.