أو تصرفه في غير مصارفه الشرعية أو تتجاوز الحد اللازم في الإعطاء والصرف ولو على خاصّتك ونفسك ، فإن ذلك من التبذير المنهي عنه"إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ"أموالهم المفرقين لها في غير حلها ومحلها"كانُوا"في تبذيرهم هذا"إِخْوانَ الشَّياطِينِ"أعوانهم ورفقاءهم في كفران النعمة مماثلين لهم في صفات السوء من إعطاء المال لمن لا يستحقه ، أو صرفه في غير حله ، أو إعطائه بقصد الصيت والسمعة والرياء"وَكانَ الشَّيْطانُ"ولم يزل ، لأن كان تأتي للدّوام والاستمرار إلى أجل معلوم كما هنا وإلى ما لا نهاية له كقوله تعالى: (وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) الآية 156 من سورة النساء في ج 3 وأمثالها كثير ، وتأتي للزمن الحاضر فقط مثل كان زيد غنيا ،"لِرَبِّهِ كَفُوراً"27 هو وإخوانه من الإنس يبالغون في كفران النعمة لأنهم يصرفون ما أنعم اللّه به عليهم من القوى والأموال إلى غير ما خلقت لها وللمعاصي والإفساد في الأرض وإضلال الناس عن طريق الهدى ، وحملهم على الكفر باللّه تعالى وجحود نعمه الفائضة عليهم وتبذيرها في غير محلها ، وهذا التخصيص بمقابل الشكر الذي هو صرف النعم إلى ما خلقت إليه ، وما قيل إن هذا الكفر المذكور بهذه الآية جاء على ما يقابل الإيمان ليس بشيء لمخالفته المقام وسياق الآيات.
وإنما اللّه سمى الإنفاق لهذين الصنفين حقا لأن أهل مكة قبل الإسلام كانوا افترضوا على أنفسهم إنفاق شيء من أموالهم لنشر الصيت ، وكان التصدق مفروضا على الأمم السابقة وكان أهل مكة ينفقون هذا القسم للسمعة والملاهي والطرق التي لا خير فيها ، فأمر اللّه رسوله في هذه الآية بإنفاق هذا الحق لأهله الذين ذكرهم ، وهذا قبل نزول آية الزكاة المفروضة ، أما بعد نزولها فيكون منها وعلى القدر الذي سنه حضرة الرسول كما سيأتي في الآية 221 من سورة البقرة والآية 59 من سورة التوبة في ج 3 وغيرها من السور المدنية.